صفحه اصلی / مقالات / ایران /

فهرس الموضوعات

وقد تم تأليف آثار مثل سرمايه إيمان وأمثاله، من وجهة النظر هذه وبنفس الهدف. وفضلاً عن هذه الحركة التي هي حركة كلامية، فإن مسيرة الحكمة المتعالية تعني المسيرة الضمنية لعلم الكلام أيضاً ذلك لأن علم الكلام كان له دور خاص في ظهور الحكمة المتعالية على الأقل في ظل ظروف خاصة، كما أن بحوث ملا صدرا الكلامية تحظى بالاهتمام. ويمكن ملاحظة المسائل الكلامية ذات الصبغة الفلسفیة بوضوح لیس فـي آثـار حكماء مدرسـة شيـراز ــ التي تحمل الطابع الكلامي ــ فحسب، بل في آثار ملاصدرا وأتباعه، حتى الحكيم السبزواري والآثار التي ظهرت بعده إلی یومنا هذا وعلی هذا الأساس، فإننا لا نستطيع ان نتحدث بشکل ما عن حضور الكلام واستمراره في داخل الفلسفة فحسب، بل يمكننا الحدیث عن نوع من الكلام في هيئة الفلسفة، أو نوع من الكلام الفلسفي. وقد كانت مدرسة أصفهان، مدرسة واسعة ومزدهرة للغاية وحتى عندما تهيأت الظروف، لانتقالها إلى طهران في عهد فتح علي شاه (1212-1250ه‍ / 1797-1834م)، فإن حوالي ألفي طالب كانوا منشلغین بدراسة العلوم العقلية، حيث كان ما يقرب من 400 منهم يدرسون في المراحل العليا، على ما يذكر ملاعلي النوري (تـ 1246ه‍ / 1830م) (معصوم عليشاه، 3 / 506).
ه‍‌‌ ـ مدرسة طهران:  واصلت مدرسة أصفهان نشاطها، بعد انهيار الدولة الصفوية (1135ه‍ / 1723م) وفي عهد الأفشاريين والزنديين وحتى عهد فتح علي شاه القاجاري وما بعده. وكان بعض الباحثين مثل جلال الدين همائي (تـ 1359ش) قد درسوا في مدرسة أصفهان. ومنذ عهد آقا محمد خان القاجاري (جلوس: 1200ه‍ / 1786م؛ ظ: إقبال، تاريخ، 758) أصبحت طهران مركزاً سياسياً وهذا ما أدى إلى أن تكتسب الزعامة العلمية أيضاً. وعلـى أثر تأسيس مدرسة مروي على يد الحاج محمد حسين خان مـروي (تـ 1233ه‍ / 1818م)، دعا فتح علی شاه ملاعلي النوري إلى طهران لتدريس العلوم العقلية في تلك المدرسة ولكن النوري لم يقبل الدعوة بسبب وجود طلاب كثيرين ومتعطشين للعلوم العقليـة في مدرسة أصفهـان، فبعث تلميـذه ملا عبد الله الـزنوزي (تـ 1257ه‍ /  1841م) إلى طهران للتدريـس في مدرسة مروي (معصوم عليشاه، ن.ص) وهكذا، وضع أساس مدرسة طهران الفلسفية منذ 1237ه‍ /  1822م، بحضور ملا عبد الله (كديور، مجموعة ... ، 1 / 22). وقد خرّج ملا عبد الله تلامذة واصلوا مدرسة طهران، ومنهم ابنه آقا علي المدرس الـزنوزي (تـ 1307ه‍ / ‍1890م) (ظ: ن.م، 1 / 27 ومابعدها). وفيما عدا ملا عبد الله وابنه آقاعلي المدرس يمكن ذكر مفكرين مثـل محمدرضـا قمشئـي (تـ 1306ه‍( وميـرزا أبـو الحسن جلـوه (تـ 1314ه‍ / 1896م) کشخصیات بارزة من مدرسة طهران، حيث كانوا يدرّسون في مدارسها. كما يمكن ذكر أساتذة مثل ميرزا طاهر التنكابني وميرزا مهدي الآشتياني وميرزا محمد علي شاه آبادي كاظم عصار وضياء الدين دُرّي كشخصيات أسهمت في استمرار مدرسة طهران (ظ: معصوم عليشاه، 3 / 504-509؛ صدوقي سها، 45 ومابعدها، 159 ومابعدها؛ كوربن، 494-495؛ كديور، ن.م، 1 / 19 ومابعدها، 27 ومابعدها)؛ وقد واصل علم الكلام طریقة في هذه المدرسة ضمن الحكمة المتعالية أولاً، وبشكل مستقل ثانياً. وبالطبع، فإنه لم يتم في هذا العصر تأليف كتاب معروف خاص في علم الكلام، ولكن ظهر مذهب الشيخية داخل الكلام الشيعي على أثر تفاسير خاصة للإمامة. وقد توصل الشيـخ أحمد الإحسائـي (تـ 1241ه‍ / 1826م) زعيم الشيخية إلى نتائج في مجال الإمامة من خلال الالتزام الكامل بتعالیم أئمة الشيعة الاثنى عشرية وعبر تأملاته فیها (كوربن، 496) وأسس مدرسه سميت بالمدرسة الشيخية. وقد دحض الشيخ أحمد الأحسائي بشدة آراء ملا صدرا في الشرح الذي كتبه على حكمة العرشية وعكف على نقد نظرياته (إبراهيمي ديناني، 3 / 360-362). ویوجه الشيخ أحمد انتقاده نحو شرح رسالۀ عرشیه ملا صدرا قائلاً إن آراء الفلاسفة لا تنجسم مع الدين، ولكن ادعاء ملاصدرا أقبح من جميع الفلاسفة؛ لأنه يدعي أن كلامه هو كلام النبي (ص) وأهل البيت (ع) (ن.ص). انتشرت المدرسة الشیخیة في كرمان، وأصبحت هذه المدينة المركز الديني لأتباع هذه المدرسة (ظ: كوربن، 495-502).
وإلى جانب مدرسة طهران، فإن المدارس الأخرى التي يجدر ذكرها هي: مدرسة سبزوار، أي مدرسة الحاج ملاهادي السبـزواري (تـ : 1290ه‍ / 1873م، ظ: صدوقـي سها، 109 وما بعدها) ومدرسة مشهد (ظ: كوربن، 509-511) ومدرسة قم بجهود محمد حسين الطباطبائي وتلامذته. وفي جميع هذه المراحل وفي كل هذه المدارس واصل علم الكلام مسيرته الضمنية في الفلسفة المتعالية ومسيرته المستقلة بمعزل عن هذه الفلسفة، ولكن لم يظهر كتاب خاص في الكلام، فقد كان كتاب شرح التجريد للعلامة الحلي في الغالب الكتاب المدرسي الكلامي في هذه المدارس وكذلك شرح باب حادي عشر لفاضل مقداد. 

المصادر

   إبراهيمي ديناني، غلامحسين، ماجراي فكر فلسفي در جهان إسلام، طهران، 1377-1379ش؛ ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، حيدرآباد الدكـن، 1339ه‍ ؛ ابن حوقل، محمد، صورة الأرض، بيروت، مكتبة الحياة؛ ابن خردادبه، عبید الله، المسالك والممالك، ليدن، 1309ه‍ ؛ ابـن خلـدون، مقدمـة، تق‍ : عـبد الواحـد  الوافـي، القاهرة، 1384- 1388ه‍ ؛ ابن خلكان، وفيات؛ ابن كثير، البداية؛ ابن المرتضى، أحمـد، طبقـات المعتزلـة، تق‍ : زوزانـا ديوالد فلتـزر، بيروت، 1409ه‍ /  1988م؛ ابن منظور، لسان؛ ابن النديم، الفهرست؛ أبو عذبة، الحسن، الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية، تق‍ : عبد الرحمان عميرة، بيروت، 1409ه‍ / 1989م؛ الأشعري، علي، الإبانة، بيروت، 1405ه‍ / 1985م؛ م.ن، اللمع، تق‍ : مكارتي، بيروت، 1951م؛ إقبال الآشتياني، عباس، تاريخ مفصل إيران، تق‍ : محمد دبيرسياقي، طهران، مکتبة خيام؛ م.ن، خانـدان نـوبختـي، طهران، 1357ش؛ البغـدادي، عبـد القـاهـر، الـفرق بيـن الفـرق، تق‍ : محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده؛ البيهقي، أبو الفضل، تاريخ، تق‍ : علي أكبر فياض، مشهد، 1356ش؛ التفتازاني، مسعود، شرح العقائد النسفية، تق‍ : محمد عرفان درويش، دمشق، مكتبة الأسد؛ الجاحظ، عمرو، الحيوان، تق‍ : عبد السلام محمد هارون، بيروت، 1416ه‍ / 1996م؛ الجرجاني، علي، التعريفات، القاهرة، 1357ه‍ / 1938م؛ م.ن، شرح المواقف، تق‍ : محمد بدر الدين النعساني، القاهرة، 1325ه‍ / 1907م؛ الجويني، عطاملك، تاريخ جهانگشاي، تق‍ : محمد القزويني، ليدن، 1355ه‍ / 1937م؛ م.ن، نامۀ ألموت، تق‍ : نجيب مايل هروي وأكبـر عشيق كابلي، مشهـد، بنگاه كتـاب؛ حمـد الله المستوفـي، تاريخ گزيـده، تق‍ : عبد الحسين نوائي، طهران، 1339ش؛ خواندمير، غياث الدين، حبيب السير، طهران، 1333ش؛ دادبه، أصغر، «حكايت غرب شناسي»، اطلاعات سياسي ـ اقتصادي، طهران، 1374ش، عد 99-100؛ م.ن، فخر الرازي، طهران، 1374ش؛ دائرة معارف التشيع، تق‍ : صدر حاج سيد جوادي وآخرون، طهران، 1366ش؛ دفتري، فرهاد، تاريخ وعقايد إسماعيلية، تج‍ : فريدون بدره‌ئي، طهران، 1375ش؛ الدواني، محمد، «نور الهداية»، الرسائل المختارة، تق‍ : أحمد تويسركاني، أصفهان، 1346ش؛ رشيد الدين فضل الله، جامع التواريخ، تق‍ : محمد تقي دانش‌پژوه ومحمد مدرسي، طهران، 1356ش؛ رياحي، محمد أمين، فردوسي، طهران، 1375ش؛ الزركلي، أعلام؛ زرين كوب، عبد الحسین، تاريخ إيران بعد أز إسلام، طهران، 1343ش؛ زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية، تق‍ : شوقي ضيف، القاهرة، دار الهلال؛ شمس قيس الرزاي، محمد، المعجم في معايير أشعار العجم، تق‍ : محمد قزويني ومحمد تقي مدرس رضوي، طهران، 1327ه‍ / 1909م؛ الشهرستاني، محمد، الملل والنحل، تق‍ : محمد سيد كيلاني، بيروت، 1400ه‍ / 1980م؛ الشيبي، كامل مصطفى، الصلة بين التصوف والتشيع، القاهرة، 1969م؛ صدرائي، علي، مقدمة رسائل فارسي لعبد الرزاق اللاهيجي، طهران، 1375ش؛ صدوقي سها، منوچهر، تاريخ حكماء وعرفاء متأخر بر صدر المتألهين، طهران، 1359ش؛ صفا، ذبيح الله، تاريخ أدبيات در إيران، طهران 1339ش؛ الطبري، تاريخ؛ غني، قاسم، تاريخ تصوف، طهران، 1340ش؛ فان إس، جوزف، مقدمة بيست گفتار (ظ: هم‍ ، محقق)؛ فخر الدين الرازي، جامع العلوم، طهران، 1346ش؛ فخري، ماجد، سير فلسفة در جهان إسلام، تج‍ : مرتضى أسعدي وآخرون، طهران، 1372ش؛ فدائي خراساني، محمد، تاريخ إسماعيليـة، تق‍ : ألكساندر سيميونوف، طهران، 1362ش؛ فراي، ريتشارد، عصر زرين فرهنگ إيران، تج‍  مسعود رجب نيا، طهران، 1363ش؛ م.ن، ميراث باستاني إيران، تج‍ : مسعود رجب نيا، طهران، 1373ش؛ فروزاني، أبو القاسم، «شيعة در شيراز»، فارس شناخت، طهران، 1378ش، عد 1؛ القاضي عبد الجبار، «فضل الاعتزال»، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تق‍ : فؤاد سيد، تونس، 1393ه‍ / 1973م؛ القاموس؛ كديور، محسن، مجموعۀ مصنفات مدرس طهراني، طهران، 1378ش؛ م.ن، «مكتب عقلي شيراز»، فارس شناخت، طهران، 1378ش، عد 1؛ كستلي، مصطفـى، حاشية علـى شـرح العقائـد، إستانبـول، 1973م؛ كليلـة ودمنـة، تج‍ : نصـر الله المنشـي، تق‍ : مجتـبى مينـوي، طهـران، 1343ش؛ كوربـن، هنـري، تاريخ فلسفۀ إسلامـي، تج‍ : جواد طباطبائي، طهران، 1377ش؛ الـلاهيجـي، عبد الرزاق، گزيدۀ گوهر مراد، تق‍ : صمد موحد، طهران، 1346ش؛ اللاهيجي، محمد، شرح گلشن راز، تق‍ : كيوان سميعي، طهران، كتاب فروشي محمودي؛ مادلونغ، ويلفرد، تشيع إمامية وعلم كلام معتزلي، تج‍ : أحمد آرام، طهران، انتشـارات دايرة المعارف تشيـع؛ مانكديم، تعليق شرح الأصول الخمسة، تق‍ : عبد الكريم عثمان، النجف، 1383ه‍ / 1963م؛ محقق، مهدي، بيست گفتار، طهران، 1355ش؛ محمدي ملايري، محمد، تاريخ وفرهنگ إيران، 1372ش؛ معصوم عليشـاه، محمد معصوم، طرائـق الحقائـق، تق‍ : محمـد جعفـر محجوب، طهـران، مکتبة سنائـي؛ الملطي، محمـد، التنبيه والرد، تق‍ : محمد زاهـد بن حسن الكوثـري، مكتب نشر الثقافة الإسلامية، 1368ه‍ / 1949م؛ منهاج سراج، عثمان، طبقات ناصري، تقـ: عبد الحي حبيـبي، طهران، 1363ش؛ ناصر خسرو، ديوان، تق‍ : مجتبى مينوي، طهران، 1367ش؛ النجاشي، أحمد، رجال، تق‍ : محمد جواد نائيني، بيروت، 1408ه‍ /  1988م؛ نصير الدين الطوسي، رسالۀ جبر واختيار، ط حجرية؛ نفيسي، سعيد، محيط زندگي وأحوال وأشعار رودكي، طهران، 1341ش؛ همائي، جلال الدين، شعوبية، تق‍ : منوچهر قدسي، أصفهان، 1343ش؛ ویلیام مونتغمري، وات، فلسفه وكلام إسلامي، تج‍ : أبو الفضل عزتي، طهران، 1370ش؛ اليعقوبي، أحمد، تاريخ، بيروت، 1379ه‍ / 1960م.      

     أصغر دادبه / د.     


X. القانون 


القانون والعدالة في إيران القديمة: 


أ ـ القانون في النظام الفكري الإيراني القديم: 

القانون والعدالـة فـي الفكر الهندوإيرانـي:  كانت «مهـر»، أو ميتـرا (= العهد والميثاق)، الإله الذي یحظى بأهمية بالغة ویعدّ مظهر النظام الأخلاقي والقضائي، أو بعبارة أخرى العهد والقانون ويعتبر اسمها بحـد ذاتــه مؤشراً على هذا المعنى (ظ: دومزيل، 25ff.) ففي الفکر الإیراني القدیم یتمتع مهر الذي ينبغي أن ينظم الحياة الدنيوية للإنسان، بطابع قضائي دائماً، هو إله النظم الاجتماعي الذي یوحّد طبقات المجتمع کافة (فيدن غرن، 1:3؛ أيضاً ظ: مهريشت). وكان الفكر الإيراني في علاقاته القانونية يعتمد على أصل أساسي وهو: الالتزام بالعهد والميثاق. ينبغي أن لا ينكث المؤمن عهده أبداً، «لأنه يجب أن يُراعى العهد والميثاق إن كان مع أهل الكذب، أو مع أهل الصدق». (ن.م، البند 2). وتکشف هذه العقيدة بدورها عن نظام فکري متجذر وهو أن درجات المجتمع البشري المختلفة كانت تقوم من وجهة نظر الإيرانيين القدامى على أساس أنواع من «العهد» مثل الأسرة والقرية والمنطقة والبلاد، وكان التساهل في هذه العهود يؤدي إلى تردیها وزوالها (ن.م، البند 78).
ويمثل إشه /  إرته، في الفكر الهندوإيراني القديم، النظام المهیمن على العالم، وهو من نظرة أكثر محدودية، عبارة عن نظام من الواجبات ينظم حياة الإنسان الاجتماعية وعلاقات أفراد المجتمع بعضهم ببعض (فيدن غرن، ن.ص). وإنّ تحول إرته في الثقافة الإيرانية، إلى رمز للمُلك والبركة، فضلاً عن كونه رمزاً للنظام والتنسیق (ظ: إرت يشت، البند 7)، يدل بحد ذاته على أن الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي في فكر الإيرانيين القدامى لم يكونا ممكنين، إلا بتطبيق العدالة. 
أفستا والقانون:  لم تكـن التعاليم الأفستائية، خلافاً لبعض التعاليم الدينية في الشرق، محدودة بالبحث عن السعادة الأخروية، فلم تكن تعتبر السعادة في عالم ما بعد الموت منفصلة عن السعادة في هذه الدنيا. وقد انعكست هذه الملاحظة بشكل خاص في إحدى فقرات گاهان ــ أناشيـد زرادشت، ــ ، حيث قيل بشـأن زرادشت نفسه أنه جاء للدلالة على الطريق القویم في الحياة الدنیا وتبیین طريق الخلاص في العالم الآخر في الوقت نفسه (يسنا، 43: 3). واستناداً إلى ما وصلنا من العصر الساساني، فإن أقسام داتيك (من داته /  داد أي العدالة) كانت تشكل ثلث أفستا المعروفة في عصر الساسانييـن، حيث كانت تشتمـل على مباحث شرعية وقانونيـة (ظ: دينكرد، 3:161,8:1ff.؛ أيضاً ظ: تفضلي، 72). ولم يتبق من بین تلك الأقسام بشكل كامل، سوى ونديداد، ومن الأقسام الأخرى لكتاب أفستا داتيك، سوى بعض الروايات والآثار.
ويجب اعتبار ونديداد، أو القانون المضاد للعفاریت، أقدم نص وصلنا، حيث تم تدوينه في مجال «عدالة» مزديسنا، وبالطبع فإن الآداب الدينية تشكل قسماً مهماً من مضامينه وخاصة الطهارة الدينية، ولكن ومع الأخذ بنظر الاعتبار مناسبة الموضوع، فإن بعض المواضيع المتعلقة بالجرائم وعقوباتها جعلت هذا الكتاب بالغ الأهمية من حيث تاريخ القانون. ومن بين أقسام داتيك أفستا التي نعرفها من خلال إيضاحات دينكرد، يتمتع «نگادوم نسك» بقيمة خاصة في القوانين الجزائية؛ فقد ضُمّن هذا النسك قوانين حول المواضيع الجزائية المختلفة اعتباراً من القتل وحتى الضرب والجرح وكذلك الافتراء، كما خصص قسم لقوانين تحقيق العدالة مثل مواضيع إقامة الدعوى والشهادة والدفاع. كما تحظى بعض القواعد المطروحة في هذا الباب بأهمية بالغة مثل موضوع معاقبة الأطفال ومعاقبة غير الإيرانيين (ظ: دينكرد، 8:16-20). ومن النسک الأخرى، هوسپارم الذي يحظى هو الآخر بالأهمية من حيث اشتماله على قوانین الحقوق في مجال الملكية والإرث، وكذلك حقوق الأسرة (ن.م، 8: 28-37؛ عن القانون في عيلام، ظ: كُرُشتس، 134ff.، عن قانون ميديا، ظ: نصر، 25-27).
ب‌‌ ـ القانون في العصر الأخميني:  تحيط النظام القانوني في إيران في العصر الأخميني (559-321 ق.م) هالة من الغموض بسبب قلة المصادر، ولكن هناك إشارات تدل على المكانة المهمة للقانون في هذا العصر من تاريخ إيران. ولاشك في أن إدارة الإمبراطورية الأخمينية المترامية الأطراف وإرضاء الأهالي في الكثير من مناطقها لايمكن، إلا في ظل سیادة قانون صارم. 
تشريعات داريوش:  ذكر داريوش الذي عرف في تاريخ الأخمينيين باعتباره ملكاً مشرّعاً، مراراً في النقوش قانوناً يحمل اسم «قانون من»، (= قانوني) واعتبر العمل به مؤدیاً إلی ثبات الأمور في جميع أرجاء البلدان التابعة لـه (DNa,21 ، عن هذا النقش والنقوش الأخرى للأخمينيين، ظ: كنت؛ قا، XPh,18)، وعدّ قبولـه بين شعوب البلدان المختلفة من ألطاف أهـورا مـزدا (DB,I.23). وقد أشار أفلاطون في كتاب «القوانين»، على لسان عالم من أثينا إلى دور داريوش المهم في وضع قوانين إيران، واستند إلى المساواة العامة كأساس لهذه القوانين، واعتبر هذه الخصوصية مهيئة لأرضية ظهور الإحساس بالمودة والنـزعة الجماعية بين جميع الإيرانيين (ص 174؛ عـن إصلاحات داريوش، ظ: أُمستد،119 ff.). إن مايستحق التأمل اعتباره خصوصية لشريعة داريوش، هو إمكانية تطبيقها في البلدان المختلفة الخاضعة للحكم الأخميني، خلافاً للقوانين الإقليمية السابقة. وقد كان الملوك الأخمينيون الآخرون بعد داريوش يعتبرون تشريعاته واجبة التنفیذ، بل إنها كانت أساس ثبات إيران ودوامها حتى عصر أفلاطون كما عبر عن ذلك في رسالته (ظ: «الرسالة السابعة» (15). 
سلطة الملك وحدودها:  اعتبر الملوك الأخمينيون دوماً في النقوش مُلكهم عطية من جانب أهورامزدا، ورأوا أن بقاء ملكهم مرهون بمساعدته (مثلاً ظ: DB,I.24-26). وكان هذا المصدر الديني، يهيء الظروف المناسبة للأخمينيين كي ينفّذوا حكمهم «السیادة الموحدة» على عموم الإيرانيين والرعايا غير الإيرانيين. وبالطبع فإن من الجدير بالذكر أن هذه السيادة الأخمينية الموحدة، أمتدحت أحياناً من قبل الأجانب باعتبارها أفضل نموذج من الحكم وأمثله (ظ: أفلاطون، «القوانين»، 170). وأحياناً أخری تعرضت للمذمـة باعتبارها منحرفة عن السيادة الموحدة ومثـالاً للتعسف (ظ: أرسطو، 273). ومن الممكن أن تكون هذه الازدواجية في الآراء، ناجمة عن اختلاف سلوكيات الملوك الأخمينيين.
وتشهد الروايات التاريخية، أن هناک قوانين کانت تحد من سلطة الملك الأخميني وهو خاضع لها ملتزم بتنفيذها؛ وقد تشیر المصادر التاريخية إلى وجود مثل هذه القيود. کما أشار هیرودوتس إلى قانون إيراني كان یمنع الملك من إصدار الحکم بالموت على شخص ارتکب جریمة للمرة الأولى (ص 97) وکذلک ذکر المؤرخون أن بعض الملوك الأخمينيين مثـل قمبیز (= کمبوجیة) وخشايارشا، كانوا يتشاورون مع قضاة البلاط بشأن مدى قانونية بعض تصرفاتهم ويرون أنفسهم ملتزمین برعاية القوانين (مثلاً ظ: «كتاب استر»، 13:1 ومابعدها؛ هيرودوتس، 281). وربما کانت القوانین الواجبة التنفيذ على الملك، قسماً من مجموعة القوانين نفسها التي ذكرها پلوتارك باعتبارها «القانون المقدس والواجب الطاعة لدى الإيرانيين» (ظ: ص 35).  
القانون والطبقات الاجتماعية:  كان النظام الطبقي في العلاقات الاجتماعية لإيران في العصور القديمة، من الخصائص المعروفة للمجتمع الإيراني، حيث كانت هذه الخصوصية قد ترسخت في شؤون المجتمع المختلفة إلى درجة كان من الممكن معرفة العلاقة الطبقية بين شخصين إيرانيين من خلال التقائهما في الحارة، وذلك عبر كيفية إلقاء التحية على بعضهما البعض، كما يشير هيرودوتس إلى ذلك (ص 95). وبطبیعة الحال من المستحیل أن لایترک النظام الطبقي بصماته علی وضع القوانين، وأن القـوانين سنت علـى أساس تجاهل الاختلافات الطبقية (ظ: نصر، 164)؛ ولكن يجب من جهة أخرى عدم المبالغة في مدی تأثير النظام الطبقي علی قوانين إيران القديمة. إنّ مبدأ داريوش في بسط العدالة القائل بإنّ القانون يمنع القوي من الظلم بحق الضعيف DSe,37 ff.)) یشیر إلى أن المشرع في القوانين الأخمينية کان یأخذ أيضاً بعین الاعتبار، النظر في شكاوى الطبقات الضعیفة في المجتمع، وفي عرض توضيح هذا الاستنتاج، يجب التذكر بأن الزراعة والقتال کانا یحظیان باهتمام خاص من قبل ملوك إيران باعتبارهما من الأعمال الشريفة، كما يشهد بذلك المؤرخون اليونانيون (غزنفن، 4:2).

 

الصفحة 1 من61

تسجیل الدخول في موقع الویب

احفظني في ذاکرتك

مستخدم جدید؟ تسجیل في الموقع

هل نسيت کلمة السر؟ إعادة کلمة السر

تم إرسال رمز التحقق إلى رقم هاتفك المحمول

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.:

التسجیل

هل تم تسجیلک سابقاً؟ الدخول

enterverifycode

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.: