صفحه اصلی / مقالات / ایران /

فهرس الموضوعات

إن الاعتقاد بـ «الخلاص» وظهور «المنقذ» و«بُختار» وإمكانية الخلاص من عناصر الظلام وأهریمن والأمل في بلوغ الحیاة الخالدة في موطن النور، هو من الخصوصيات المهمة والرئيسة للأديان القديمة في إيران ويمكن اعتبار هذا الفكر التفاؤلي المفعم بالأمل المستتر في المعتقدات المتعلقة بالمصیر الإنساني من مظاهر الاعتقاد بالتوحيد.
وفي بعض الديانات الإيرانية القديمة، يتولى إیزد مهر ( إله مهر) أيضاً دوراً مهماً في معرفة المصیر النهائي وقد جاء في كتاب «تنبوءات گشتاسب» الذي كان قد انتشر في القرون التي سبقت المسيحية باللغة اليونانية، حول ولادة مهر کالتالي: سوف يرسل الرّب «الملك الأعظم» من الجنة من أجل المحافظة على الصالحين بين الطالحين، حيث سيقضي على قوى الشر بالنار والسيف. وقد قیل إنّ هذا الملك الأعظم هو «مهر» نفسه. وفي بعض النصوص المسيحية المستوحاة هذه المعتقدات الدینیة الإیرانیة وردت قصة ولادة «المنقذ» الإعجازية كالتالي: يظهر نجمه على هیئة صبي صغير في السماء ويهبط في عمود من النور داخل غار ويولد هناك وسط صخرة على شكل طفل صغير. ويجلس «مغان» [رجال الدین الزرادشتي] لسنوات طويلة، منتظرين ولادة المنقذ، في «جبل النصر». وهم یُهدون الـى هـذا البُختـار ]المنقذ[ الحديـث الولادة، التيجـان الـذهبيـة ( بريتانيكا، IX / 871-872)، والمقصود من جبل النصر في الرسالات المسيحية جبل الخواجه الواقع في بحيرة هامون وقد جرت العادة بين مغان ]رجال الدین الزرادشتي[ أن یتسلقوا كل سنة في موسم معين ذلك الجبل بناء على عقيدة دينية قديمة، لينتظروا مشاهدة علامات الظهور (هرتسفلد، 61ff.).   

بقاء الروح:

 يعتبر الاعتقاد ببقاء الروح بعد الموت، أحد الأركان العقائدیة المهمة في الديانات الإيرانية القديمة. فروح الإنسان تبقى بعد الموت، وتنال الجزاء في العالم الأخروي حسب الذنوب، أو الحسنات التي اکتسبتها في الدنيا. وبعد الموت، تبقى روح الإنسان في العالم الفاني إلى جانب جسدها الهامد لثلاثة أيام بلياليها. وفي ختام الليلة الثالثة، تغادر الدنيا فجراً، وتتوجه إلى العالم الآخر. وفي هذه اللحظة يهب نسيم منعش روح الإنسان الصالح ويظهر له «دينه» على شكل فتاة جميلة، وتصاحبه في هذه الرحلة الروحانية. في حين أن «دين» المذنبين يواجههم على شكل إمرأة عجوز عبوس في جو متعفن ومؤذٍ («هادخت نسك»، فرگردان رقم 3،2).
ويتوجب على أرواح الموتى من أجل دخول نطاق ذلك العالم أن تجتاز جسراً يدعى «چينود» يميز بين الأخيار والأشرار. ويتحول جسر چينود الذي يجتازه المحسنون بسهولة ليدخلوا الجنة، إلى مايشبه حد السيف الدقیق القاطع بالنسبة إلى المذنبين، ويتهاوى من فوقه المجرمون إلى قعر جهنم. وقد نقلت في النصوص الهندية أيضاً كيفية هذا الجسر وخصوصياته، وفي الحقيقة فإن الاعتقاد بهذا الجسر، هو جزء من التراث الديني المشترك بين الهند وإيران ( بريتانيكا،IX / 871). والاعتقاد ببقاء الروح هو من الخصائص العقائدیة والأخلاقية المزديسنائية المهمة؛ ذلك لأن شرط مثل هذا الاعتقاد هو الإيمان بالقيامة ويوم الحساب والجزاء وتنفيذ العدالة في العالم الآخر، ويستلزم عدم الغفلة عن المجازاة والتأمل في العمل.
«زور» و«ميَزْد»: يحتل تقديم الخيرات والنذورات مكانة خاصة في معتقدات الإيرانيين القديمة. فقد كانوا يعدون موائد للآلهة وكذلك لإدخال البهجة على أرواح موتاهم خلال شعائر وطقوس خاصة في الاحتفالات ومراسم الدعاء، ويقدمون فديات من الشراب تدعى «زور» ومأكولات تسمى «ميزد» يشكل الماء واللبن والخبز مكوناتها الرئيسة.
وقد كان من بين الطقوس المهمة للإيرانيين القدامى عند تقديم الزور، نثر الجرعة على الماء وعلى النار وكان يصطلح على هذا العمل باسم «آب‌ ـ زور» و«آتش ـ زور». وكانوا یصنعون آب ـ زور من خلال مزج 3 عناصر حيوانية ونباتية منها اللبن وعصارة أوراق النباتات ثم يضيفون إلى آتش‌ ـ زور مواد معطرة مثل المسك، والعود، والكافور، والصندل وكذلك الدهن الحيواني (ظ: بويس، 100-118). ولتقليد نثر الجرعة على الماء والنار خلفیة هند وإيرانية أيضاً (ER,VII / 277).

امشاسپندان وإیزدان:

 استناداً إلى المعتقدات المزديسنائية، فإن هناك موجودات مقدسة تعين أهوارامزدا في أمر الخلق والمحافظة على مواشيه وعطاياه، حيث تسمى هذه الكائنات إمشاسپندان أي الكائنات الخالدة المقدسة. وهي في حكم الملائكة الزرادشتية العلوية وعبارة عن وُهومَنه (بهمن)، اشه وهيشته (أردبيهشت)، خشثره وَيرْيه (شهريور)، سْپَنْته آرمَيْتي (سپندارمذ)، هَوْرْوتاته (خرداد)، أمرتاته (مرداد). وهذه المخلدات الست المقدسة مع سپند مينو هي الأنوار الأولى التي سطعت من وجود أهورامزدا وكل واحد منها تجسم لصفاته ولكل منها دور في خلق العالم، وموكل على استمرار قسم من الكائنات: فبهمن موکَّل على الحيوانات، وأرديبهشت على النار، وشهريور على المعادن، وسپندارمذ على الأرض، وخرداد على الماء، ومرداد على النباتات. وأما سپند مينو الذي يمثل قدرة أهورا على الخلق، فموكل على الإنسان. وفي الحقيقة فإن زرادشت يفسر صفات أهورامزدا من خلال تبیین أسماء هذه الملائكة العلوية وواجباتها.
وفي مقابل إمشاسپندان، خلق الشيطان مجموعة «كماريكان» التي تجسد شره وصفاته التي تجلب الفساد وعوامل انتشار الشر والأذى الشيطاني في نطاق الخلق الأهورائي. ويشكل الشياطين الستة الأهريمنية الرئيسة مع أنگره مينو (أهريمن) مجموعة «كماريكان»، حیث يقف كل منها في مقابل امشاسپندان واحد (دومزيل، «نظرية»، 45، «ميلاد ... »، 146-162). 
وفضلاً عن إمشاسپندان فإن هناک كائنات أخرى مقدسة تستحق الثناء في دیانة مزدیسنا تسمى «إيزدان» [الآلهة] يجسد كل منها صفة، أوعدة صفات بارزة لأهورا وتؤدي واجبها تحت أمره وإرادته. وبالإضافة إلى الواجبات الملقاة على عاتق إيزدان، فإنها موكلة أيضاً على أحد أيام الشهر. ولذلك، فإن كلاً من أيام الشهر يسمى باسم أحد هذه الآلهة، وذلك في تقويم مزديسنا فضلاً عن الشهور المسماة بأسماء الآلهة. وعلى سبيل المثال فإن بهمن هو اليوم الثاني وشهريور هو اليوم الرابع وخرداد هو اليوم السادس وخورشيد هو اليوم الحادي عشر وماه هو اليوم الثاني عشر ومهر هو اليوم السادس عشر و ... 

احترام النار:

 تعد النار المقدسة أهم عنصر في طقوس وشعائر مذاهب مزديسنا. فالنار هي رمز محسوس وغامض للألوهية غير المرئية، وتسمى في النصوص الإيرانية باسم آذر وآتور أيضاً، ومعادلها الهندي أگني.
وآذر في دين مزديسنا من أكبر العطایا الأهورائیة والواسطة بين المخلوقات والرب وهي توصل أدعية البشر إلى الحضرة الإلهية (يسنا 36، البند 1؛ فروردين يشت، البنود 77-87). واحترام النار جزء من التراث الديني الهندوإيراني المشترك. وحسب المعتقدات الودائية فإن أگني هو ابن المياه ويوصل كسلسلة غير مرئية العوالم الثلاثة ببعضها (السماء، الفضاء والأرض). وهو في السماء كالشمس الساطعة؛ وفي الفضاء الأوسط يلتهب كالرعد ويظهر في الأرض من احتكاك خشبتين ببعضهما (أولدنبرغ، 117  ff.). وتتضح أهمية النار، خاصة في مراسيم إبقائها مشتعلة دوماً. ويشير سترابون خلال ذكره لطقوس الفرس والميديين الدينية إلى وجود معابد النار قائلاً: یحرس مغان ]رجال الدین الزارادشتي[ ناراً لا تنطفئ أبداً ویتلون الأدعية في النهار أمام النار في بيت النار (الكتاب XV ، الفصل 3، البند 13؛ أيضاً ظ: مولتون، 407-410). ولذلك يسمى رجال الدين الزرادشتيون «آتوربان» (حرّاس النار) أيضاً.

وتلاحظ بكثرة، آثار تدل على قيمة النار ومكانتها في المعتقدات الإيرانية القديمة في الكتابات المتبقية من ذلك العصر. فنحن نرى في أقدم آثار النحت التي تعود على مايبدو إلى عصر الميديين، وتعرف باسم «دكان داود»، نقوشاً تمثل شخصاً إيرانياً أمام النار. كما يلاحظ الملوك الأخمينيون والساسانيون في النقوش وهم أمام النار في حالة مناجاة لها، بل إن شكل المجمرة منقوش حتى على المسكوكات المتبقية من عصر الساسانيين، باعتبارها شعاراً قومياً. وقد كان النفخ على النار وتلويثها يعدان ذنباً، ولذلك، كان حرّاس النار يغطون رؤوسهم وأسفل وجوههم بغطاء يدعى «پنام» عند وقوفهم أمام النار.
وقد اعتبر آذر (النار) في أفستا ابن أهورامزدا، وذكرت 5 أقسام من النار. وقد جاءت هذه النيران الخمس في «تفسير پهلوي» كالتالي: نار بهرام، نار أجساد الناس والمواشي، نار النباتات، نار الغيوم، أو نار البرق ونار العرش المشتعلة في الملكوت الأعلى أمام أهورامزدا (يسنا 17، البند 11؛ حول أنواع النار، ظ: بيلي، 46 ؛ كريستن سن، 140- 141).
وقد كانت توجد في العصر القديم 3 بيوت رئيسة للنار تدعى آذرفرنبغ، آذر گشنسب وآذربرزين مهر، حيث كانت تعتبر، رموزاً لثلاث طبقات اجتماعية هي حسب الترتيـب رجـال الدين، المقاتلون والمزارعون (ظ: كارنامه ... ، البنود 11-14).

المصادر:

  أفستا، تج‍ : جليل دوستخواه، طهران، 1370ش؛ كارنامه أردشير بابكان، تج‍ : مهري باقري، طهران، 1378ش؛ كريستن سن، آرتور، إيران در زمان ساسانيان، تج‍ : رشید یاسمي، طهران 1345ش؛ متون پهلوي، بروایة جاماسب جي دستور جي جاماسب‌‌ ـ آسانا، تج‍ : سعيد عريان، طهران، 1371ش؛ «هادخت نسك»، بررسي هادخت نسك لمهشيد ميرفخرائي، طهران، 1371ش؛ يشتها، تج‍ : پورداود، طهران، 1347ش؛ وأيضاً: 

Bailey, H. W., Zoroastrian Problems in the Ninth-Century Books, London, 1971; Benveniste, E., The Persian Religion According to the Chief Greek Texts, Paris, 1929; Boyce, M., »Ātaš-Zohr«, JRAS, 1966; Britannica, Macropaedia, 1978; Dumézil, G., Les Dieux des Indo-Européens, Paris, 1952; id, L’Idéologie tripartie des Indo-Européens, Bruxelles, 1958; ER; Hérodote, Histoires, tr. Ph. E. Legrand, Paris, 1970; Herzfeld, E. E., Archaeological History of Iran, London, 1935; Horrwitz, E. P., »Arryan Origins«, Modi Memorial Volume, Bombay, 1930; Kuiper, F. B. J., »The Bliss of Aša«, Indo-Iranian Journal, 1964, vol. VIII; Lommel, H., »Some Corresponding Conceptions in Old India and Iran«, Modi Memorial Volume, Bombay, 1930; Moulton, J. H., Early Zoroastrianism, London, 1913; Nyberg, H. S., Die Religionen des alten Iran, Leipzig, 1938; Oldenberg, H., Die Religion des Veda, Darmstadt, 1977; Strabo, The Geography, tr. H. L. Jones, London, 1966. 
مهري باقري / غ.

الديانة المانوية:

  ولـد ماني سنة 216م في شمال بابـل وظهر الدين المانوي في النصف الأول من القرن 3م في بلاد مابين النهرين.
كانت هذه المنطقة في الإمبراطورية الأشكانية الواسعة بسبب موقعها الجغرافي الخاص، المركز الرئيس للتعاملات الاقتصادية والثقافية آنذاك، حيث كان انتشار المذاهب الغنوصية والمدارس الفلسفية المختلفة وأديان مثل المسيحية، اليهودية، الزرادشتية، الزروانية والآراء الهیلینیة في هذه المنطقة، قد هيأت البیئة الملائمة للاحتكاك بين الآراء والعقائد. وفي بيئة كهذه، ظهر ماني كمبشر بديانة جديدة وبدأ بالدعوة إلى دين كانت أصوله الفكرية وایدیولوجیته قد ظهرت على مايبدو من التوفيق بين تعاليم الأديان الشائعة في المنطقة (ER,IX / 161). وبالطبع فإن تأثير آراء مزديسنا في تكوين هذا الدين الإيراني يطالعنا أكثر من غیره وخاصة تماثل المبادئ الأساسية والأخلاق المانوية مع الديانة الزرادشتية، حيث يبدو لنا بوضوح؛ ومنها الاعتقاد بالثنوية والأزمنة الثلاثة واختيار الطريق وتغلب النور على الظلام والخلاص الأخروي (ن.م، IX / 162). 
يقول ماني حول كيفية بعثه بالرسالة:  إن الوحي نزل عليه في البدء من الرّب وهو في سن الثانية عشرة، وأبلغ إليه الأمر الإلهي ملاك يدعى بالنبطية «توم» بمعنى التوأم و«نرجميگ» بالفارسية الوسيطة؛ وظهر لـه توم مرة أخرى في سن الرابعة والعشرين وأمـره بالدعوة إلى الدين (ابن النديم، 392؛ أيضاً ظ: باقري، 25- 48). وهكذا، بدأ ماني دعوته الدينية بعد تلقيه هذا الأمر في عهد حكم أردشير الساساني وتوجه إلى شمال غرب الهند للدعوة إلى دينه وعندما تولى الحكم شاپور ابن أردشير، قدم إلى عاصمة إيران واستأذن شاپور في الدعوة إلى دينه في أرجاء إيران. وقد كتب في بداية كتاب شاپورگان الذي كان قد ألفه لشاپور قائلاً: تـعلن أصول العقائد والأعمال الدينية إلى الناس في كل زمان وتبلّغ بواسطة أحد الأنبياء. فقد انتشرت في زمن بواسطة بوذا في الهند، وفي زمن آخر على يد زرادشت في إيران، وفي فترة أخرى عبر عيسى في المغرب وقد نزلت الآن هذه الشريعة علي أنا ماني في بلاد بابل. وقد قدم ماني نفسه على أنه «الفارقليط» وخاتم المرسليـن (البيروني، 207؛ ER,IX / 166;ERE,VIII / 398؛ أيضاً ظ: تقي زاده، 45). وقد بعث الدعاة والوفود إلى مناطق مختلفة من العالم لنشر المانوية وإشاعتها وكسب خلال فترة قصيرة أتباعاً كثيرين. وهكذا، تحولت المانوية إلى دين عالمي، حيث انتشرت من القرن 4 حتى 12م في الغرب إلى فرنسا وفي الشرق إلى الصين وشاعت بين الإيرانييـن والـروم والصینیین والأتراك وسكان شمال أفريقية ( آمريكانا، XVIII / 218). وأدى انتشار الديانة المانوية إلى إثارة موجات العداء والمعارضة من قبل لأصحاب الأديان الأخر