صفحه اصلی / المقالات / دائرة المعارف الإسلامیة الکبری / الفقه و علوم القرآن و الحدیث / أبو یوسف /

فهرس الموضوعات

أبو یوسف

أبو یوسف

تاریخ آخر التحدیث : 1443/1/18 ۲۱:۱۶:۳۵ تاریخ تألیف المقالة

أَبویوسُف، یعقوب بن إبراهیم بن حبیب بن خُنَیس الأنصاري (113-182هـ/ 731-798م)، قاض معروف، وأحد مؤسسي الفقه الحنفي. کان جده الأکبر سعد بن بُجَیر من قبیلة بَجیلة في عداد أصحاب النبي (ص). ومن أوائل الأشخاص الذین هاجروا من المدینة إلی الکوفة (ظ: ابن سعد، 6/34؛ ابن قتیبة، 499؛ الذهبي، 57)، واستناداً إلی روایة عن أبي یوسف نفسه، فقد توفي أبوه و هو صغیر وأجبر الفقر أمه علی إیکال أمره إلی قصار للعمل (ظ: الخطیب، تاریخ ...، 14/244؛ قا: الصیمري،92)، إلا أنه رغم صعوبة حیاته کان یشتغل کل فرصة من أجل طلب العلم.

أدرک أبویوسف طیلة دراسته حلقات درس جیلین من محدثي الکوفة صنفهم ابن سعد في الطبقة 4 و 5 من تابعي الکوفة، ومن بین أکثرهم شهرة في الجیل القدیم منصور بن المعتمر وعطاء بن السائب وسلیمان الأعمش و أبوذسحاق الشباني و مطرَّف بن طریف وإسماعیل ابن أبي خالد ومجالد بن سعید؛ و من شیوخ الجیل التالي حجاج بن أرطاة ومحمد بن السائب الکلبي و أبوحمزة الثمالي ومِسعَر بن کِدام (ظ: ابن سعد، 7(2)/74؛ الخطیب، ن.م، 14/242؛ الذهبي، 58؛ أیضاً ظ: أسانید أبي یوسف الروائیة في مواضع مختلفة من الآثار الباقیة عنه). وقد أدرک أبویوسف بعض حلقات تحدیث مشایخ البصرة و منها: أبان ابن أبي عیاش وداود بن أبي هند من الطبقة الرابعة للتابعین؛ وحسن ابن دینار وسعید بن أبي عروبة من الطبقة التالیة. کما سمع الحدیث لفترة في الحجاز، وتلقی العلم من شیوخ المدینة مثل عبیدالله بن عمر العمري ویحیی بن سعید الأنصاري، والشیوخ المکیین مثل ابن جریج و حنظلة ابن أبي سفیان (ظ: ن.صص). وقد کانت له في هذه الفترة شهرة في حفظ الحدیث، وکان یحضر کمستعمل في حلقات بعض مشایخه، وکان أحیاناً یملي الأحادیث التي یسمعها (ظ: ابن سعد، ن.ص؛ وکیع، 3/255).

وبعد فترة من التردد علی مجالس المحدثین مال أبویوسف إلی حلقة فقه أبي حنیفة، واختار ملازمته (ابن سعد، ن.ص). وبذلک، دخل مرحلة جدیدة من دراسته غیرت فجأة شخصیته العلمیة، وحولته إلی أحد الفقهاء من أصحاب الرأي، خصوصاً وأنه کان من الممکن أن یحتل مکانة بین العلماء من أصحاب الحدیث؛ إلا أنه کان مایزال في هذه الفترة من حیاته یواجه الفقر الشدید، وکان – علی روایة – یؤمن حیاته من مساعدات أبي حنیفة المالیة (ظ: الصیمري، ن.ص؛ التنوخي، الفرج ...، 2/387).

واستناداً إلی بعض الروایات، فقد صاحب أبویوسف أبا حنیفة لـ 17 سنة (الصیمري، 93؛ الخطیب، ن.م، 14/252)، وهذه الفترة تتفق مع تاریخ عودة أبي حنیفة من الحجاز إلی الکوفة في 132هـ، ووفاته في 150هـ (ظ: ن.د، أبوحنیفة)؛ ولکن یبدو أن فتور علاقة أبي یوسف بحلقات درس المحدثین، ومیله إلی فقه أبي حنیفة القائم علی الاجتهاد بالرأي، کان أمراً تدریجیاً. وعلی أیة حال، فإن هذه الفترة من دراسته انتهت أیضاً بوفاة أبي حنیفة، وعرف منذ هذه الفترة کأبرز تلمیذ لأبي حنیفة، وکفقیه مبرز في أوساط العراق العلمیة.

وبعد فترة ذهب أبویوسف من الکوفة إلی بغداد، وشغل منصب القضاء في بغداد في عهد خلافة المهدي العباسي (حکـ 158-169هـ/ 775-785م) (ظ: وکیع، 3/255-256). وقد ذکر بعض المصادر أن تولي أبي یوسف لهذا المنصب کان مباشرة بعد وفاة أبي بکر بن عبدالله ابن محمد بن أبي سبرة قاضي بغداد و ذلک في 162هـ/ 779م (ظ: ابن قتیبة، 489). وفي 166هـ عندما أرسل المهدي ابنه وولي عهده موسی إلی جرجان، اصطحب معه أبایوسف، وأوکل بدلاً منه قضاء بغداد إلی ابنه یوسف الذي کان فقیهاً قدیراً (وکیع، ن.ص؛ الطبري، تاریخ، 8/162). وقدکان أبویوسف ملازماً لموسی طیلة إقامته في جرجان، وکان یتولی منصب القضاء فیها (ابن سعد، ن.ص؛ المسعودي، 3/340). وفي جرجان أیضاً لم تتوقف أنشطته العلمیة، ومن جملة الأشخاص الذین تلقوا العلم منه هناک محمد بن عواد بن راشد نجل مضیفه، حیث کان یروي عنه أجوبة مسائل في الفقه (ظ: السهمي، 487). وعندما وصل رسول من بغداد إلی جرجان حاملاً معه خبر وفاة المهدي، وتولي موسی للخلافة، توجه أبویوسف مع موسی إلی بغداد (ظ: ابن سعد، 7(2)/74). وأوکل موسی الذي کان قد تولی الخلافة بلقب الهادي (169-170هـ) قضاء بغداد إلی أبي یوسف من جدید (ن.ص؛ وکیع، 3/256)، ولکن لم تکد تمرسنتان حتی توفي الهادي.

وأحاط هارون (حکـ 170-193هـ/786-809م) أیضاً أبا یوسف بعنایته الخاصة، وأبقاه في منصب قضاء بغداد، وظل في هذا المنصب حتی نهایة عمره (ابن سعد، ن.ص). وبعد فترة منح هارون أبایوسف لقب قاضي القضاة، وقد کانت هذه هي المرة الأولی في تاریخ الحضارة الإسلامیة التي یمنح فیها شخص مثل هذا اللقب (ظ:وکیع، ن.ص؛ الصیمري، 90؛ الخطیب، تاریخ، 14/242؛ الذهبي، 61). ورغم أننا لانعلم بالضبط الصلاحیات و المسؤولیات التي کان یتمتع بها قاضي القضاة آنذاک، إلا أنه یبدو من بعض الحکایات المتفرقة أن أبایوسف کان یتولی مهمة نصب قضاة الولایات وعزلهم (مثلاً ظ: التنوخي، الفرج، 2/228؛ المقریزي، 2/333).

وفي هذه الفترة کان أبویوسف یسافر مع هارون لمرات عدیدة، وان یحل محله في غیابه ابنه یوسف، ویمکننا أن نذکر من جملة ذلک سفره إلی البصرة في 176 و 180هـ (ظ: خلیفة، 2/716؛ الخطیب، ن.م، 14/255). کماکان له سفر (أو أسفار) مع الخلیفة إلی الحجاز، واستناداً إلی الروایات فقد کانت له خلال هذه السفره (أو الأسفار) مایشبه المناظرة في مکة مع الإمام موسی الکاظم (ع) (إمامته: 148-183هـ) حول بعض المسائل المتعلقة بالإحرام، حیث لامه الإمام (ع) لاتباعه القیاس (ظ: الکلیني، 4/350، 352-353؛ ابن بابویه، عیون...، 1/64؛ قا: الشیخ المفید، الإرشاد، 298؛ أیضاً حول الروایة عن العلاقات غیرالودیة لأبي یوسف مع الإمام موسی الکاظم (ع)، ظ: ابن طاووس، 298). کما أشارت المصادر إلی التقاء أبي یوسف و مالک بن أنس أحد الأئمة الأربعة، وحوارهما المتقادح في المدینة، وحدوث کل ذلک في تلک السفرة، أو الأسفار (ظ: وکیع، 3/259 ومابعدها؛ الإمامة...، 1/154-155؛ العقیلي، 4/441). وفي 180هـ عندما توجه هارون بنفسه إلی الموصل بسبب ثورة عطاف بن سفیان الأزدي، وتصمیمه بقتل الموصلیین، کان أبویوسف معه، واستطاع بتدبیره أن ینقذ الأهالي من غضب هارون (ظ: الأزدي، 284-285، 289؛ ابن الأثیر، 6/152).

ویمکن القول من خلال تقییم عام لشخصیة أبي یوسف السیاسیة والاجتماعیة إنه کان فقیهاً سیاسیاً یفید بکل ذکاء ودهاء من المفاهیم الفقهیة المعقدة لإنقاذ نفسه والآخرین من المواقف الحرجة، ویؤدي دوره باعتباره عاملاً هاماً في بعض الأحداث التاریخیة عبر النفوذ السیسي الذي کان یتمتع به في بلاط الحکم العباسي، رغم أنه کان أحیاناً یضفي الشرعیة علی فضائح الخلیفة ورجال البلاط العباسي (ظ: الصیمري، 99؛ أبوحیان، 3(1)/168-171؛ التنوخي، نشوار ...، 1/252-254). واستناداً إلی الروایات، فمن الأعمال الخالدة لأبي یوسف أثناء تولیه القضاء سن زي خاص للقضاة وعلماءالدین یمیزهم في المجمع باعتبارهم فئة اجتماعیة معینة (ظ: ابن خلکان، 6/379). وأخیراً توفي أبویوسف في بغداد.

 

عقائده

نظراً إلی المکانة الاجتماعیة الخاصة التي کان أبویوسف یتمتع بها، فقد کان یسعی لأن تکون له علاقة طیبة مع أصحاب الحدیث في نفس الوقت الذي کان یحافظ فیه علی نفوذه بین أوساط الحنفیین (مثلاً ظ: الصیمري، 96-97). وقد کان تحقیق هذا الهدف بحاجة إلی أن یتجنب أبویوسف ما أمکنه إبداء الآراء الصریحة حول المسائل المثیرة للجدل في ظل تلک الأوضاع المتأزمة.

ورغم أن الحدیث کان یدور أحیاناً في المصادر حول علم أبي یوسف في الکلام (مثلاً ظ: المکي، 1/112-113)، إلا أنه لم یعرف أبداً باعتباره منظِّراً في علم الکلام خلافاً لأبي حنیفة، بل ونقلت في مصادر أصحاب الحدیث عبارات عن لسان أبي یوسف، ذم فیها علم الکلام و اعتبره مساویاً للزندقة، أو الجهل (ظ: وکیع، 3/258؛ ابن بطة، 1/419، 2/536، مخـ). کما ذکر البغدادي أیضاً في روایة أن أبایوسف کانی عتبر المعتزلة زنادقة (ص 104).

وکما أن بعضاً من متعصبي أصحاب الحدیث کانوا یحاولون أن یتهموا أبایوسف بالجهمیة کما اتهموا أسناذه أبا حنیفة بها (ظ: العقیلي، 4/444)، والبعض منهم کانوا یسعون من أجل مهاجمة أبا حنیفة علی لسان أبي یوسف مدفوعین بتعصبهم (ظ: البسوي، 2/782-783؛ ابن حبان، کتاب المجروحین، 3/65)، لیوحوا بذلک أن أبا یوسف کان منفصلاً تماماً عن أبي حنیفة في العقیدة، وأنه کان یعتبره أستاذه في الفقه وحسب (ظک وکیع، ن.ص؛ الخطیب، تاریخ، 13/386). وقد طرح ابن حبان هذه الملاحظة في آثاره باعتبارها رأیه الشخصي (ظ: الثقات، 7/645، مشاهیر...، 270)، في حین أن کتّاب الرسائل الاعتقادیة للحنفیین من أهل السنة والجماعة مثل أبي القاسم الحکیم السمرقندي یری في السواد الأعظم (ص 145)، وأبي جعفر الطحاوي في العقیدة (ص 7) أن أبایوسف و نظیره محمد بن حسن الشیباني کانا یتفقان في العقائد مع إمام الحنفیین.

ومن خلال نظرة تحلیلیة یمکن القول إن أبایوسف یعد عالماً حنفیاً في العقائد کما هو الحال في الفقه، حیث اقترب إلی حد کبیر من مواقف أصحاب الحدیث. وإنه کان متفقاً مع أصحاب الحدیث في مسألة مثیرة للجدل مثل خلق القرآن، أو أنه لم یخالفهم في الرأي علی الأقل (ظ: کیع، 3/257-258؛ الخطیب، ن.م، 14/253)، إلا أنه لم یکن یهب لمعارضته في مسألة الإرجاء التي کانت من أصول مذهب أبي حنیفة في العقیدة. وقد أیدت مصادر الفرق المختلفة للحنفیین و أصحاب الحدیث وغیرهم اعتقاد أبي یوسف بالإرجاء الحنفي المعتدل (مثلاً ط: وکیع، 3/261؛ أبواللیث، 181؛ الخطیب، ن.م، 14/256-257؛ النوبختي، 13؛ الشهرستاني، 1/130).

ویدل تعاون أبي یوسف مع الخلفاء العباسیین، وقبوله لمنصب القضاء في جهاز حکمهم علی حقیقة أنه لم یکن یتبع آراء أبي حنیفة في المسائل المتعلقة بشروط الإمام الحق و وجوب الثورة علی الحکم الجائر، إلا أن بعض آرائه حول الإمام العادل والإمام الجائر في کتاب الخراج (ظ: تتمة المقالة) یدل علی أنه لم یهمل آراء أبي حنیفة في هذا المجال. وعلی أیة حال، فإن المکانة السامیة لأبي یوسف بین تلامذة أبي حنیفة من جهة، وتحفظاته في إبداء الآراء العقائدیة، أدت إلی أن یعتبر کلا المذهبین الحنفیین المتنافسین – حنفیي أهل السنة والجماعة، والحنفیین العدلیین – أبایوسف من زعمائهم.

وقدوصلتنا رسائل قصیرة عقائدیة مؤلفة من عدة بنود علینا اعتبارها نماذج من عقائد المذهب الحنفي لأهل السنة والجماعة قبل أواسط القرن 3هـ (ظ: ن.د، أبوحنیفة). وقد نسبت في بعض هذه الرسائل إلی أبي حنیفة العقائد الأساسیة لذلک المذهب علی لسان أبي یوسف. وأما العناوین الرئیسة للعقائد المطروحة في هذه الرسائل العقائدیة القصیرة التي سئل فیها أبوحنیفة عن «أهل السنة والجماعة»، فأجاب علیها ببعض الملاحظات، فهي: تفضیل الشیخین وحب الختنین والمسح علی الخفین وعدم تکفیر مرتکب الذنب، وبعض العقائد الأخری (ظ: الخوارزمي، القاسم، 4/1545؛ أیضاً ابن عبدالبر، 161). وفي بعض الرسائل العقائدیة المتعلقة بالنصف الثاني من القرن 3هـ مثل السواد الأعظم لأبي القاسم الحکیم السمرقندي، والعقیدة للطحاوي (ن.صص)، اعتبرت معتقدات أبي حنیفة و أبي یوسف و محمد بن حسن الشیباني، العقائد الرسمیة للمذهب الحنفي لأهل السنة والجماعة.

ومن جهة أخری، فقد کان بشر بن غیاث المریسي الذي کان من أوائل منظّري المذهب الحنفي العدلي، من تلامذة أبي یوسف (ظ: الصیمري، 156؛ الخطیب، ن.م، 7/56 ومابعدها). وقد نقل محمد ابن شجاع ابن الثلجي العلام الآخر لهذا المذهب روایات عدیدة في الثناء علی شخصیة أبي یوسف (ظ: الصیمري، 93، 95، مخـ؛ الخطیب، ن.م، 14/260). وفي أواسط القرن 3هـ کان الحنفیون العدلیون – الذین کان ینتقدهم عثمان بن سعید الدارمي و الفضل بن شاذان النیسابوري – یعتبرون أبایوسف من أئمتهم (ظ: الدارمي، 125، 127، مخـ؛ الإیضاح، 81، 168، مخـ).

 

مجالاته الفقهیة

في الفترة التي کانت تتکون فیها شخصیة أبي یوسف العلمیة في الکوفة، کان الاجتهاد بالرأي یحظی باهتمام کبیر في الفقه الکوفي، فقد کان هناک ثلاثة أشخاص من أکبر فقهاء الکوفة في النصف الأول من القرن 2هـ وهم ابن شُبرُمة وابن أبي لیلی وأبوحنیفة ویعدون في الحقیقة رواد فقه أصحاب الرأي. واستناداً إلی مایتوفر لدینا من معلومات حول حیاة أبي یوسف فقد کان في بدایة دراسته في حلقات درس أصحاب الحدیث، یتلقی تعالیمهم، ومال بشکل تدریجي إلی جانب أصحاب الرأي. وقد أدرک في الکوفة مجلس ابن أبي لیلی ولاسیما مجلس أبي حنیفة. واطلع بشکل عمیق علی فقه أصحاب الرأي، ومذهبه المتمیز من خلال ملازمة حلقات درسهم (ظ: الصیمري، 93؛ الخطیب، ن.م، 14/245). وقد عرف أبویوسف دوماً في المصادر المختلفة باعتباره صاحب أبي حنیفة، ولم تؤکد علی علاقته الوثیقة بابن أبي لیلی إلا قلیلاً، ولکن یبدو بوضوح من خلال دراسة ماتبقی من آثار أبي یوسف أن تأثیر ابن أبي لیلی في المدرسة الفقهیة لأبي یوسف لم یکن قلیلاً، ورغم ماأکده عمار بن أبي مالک أن أبا یوسف کان الناشر والمبلغ لتعالیم ابن أبي لیلی وأبي حنیفة إلی الأجیال القادمة (الصیمري، 92)، یبدو مبالغاً فیه إلی حدما، إلا أنه علی الأقل لیس ببعید فیما یتعلق بابن أبي لیلی.

ومن خلال مقارنة فقه ابن أبي لیلی بفقه أبي حنیفة، یبدو بدیهیاً أن فقه أبي حنیفة کان یتمتع بنظام أکثر قانونیة وثباتاً، ولکن فقه ابن أبي لیلی کان من شأنه أن یحظی بالاهتمام نظراً إلی نزعته الأقوی إلی السلف، وتجربته الطویلة في إصدار الأحکام وبعض الجهات الأخری. ولعل مثل هذه المقارنات دفعت أبایوسف إلی أن یفضل نهج ابن أبي لیلی علی أسلوب أبي حنیفة في الوقت الذي یقبل فیه الأسس الفقهیة لأبي حنیفة. کما أن تعامل أبي یوسف مع فقه هذین الفقیهین القائلین بالرأي هو الذي دفع البعض إلی أن یعتبر فقه أبي یوسف فقهاً یجمع بین مذهب أبي حنیفة وابن أبي لیلی (ظ: المکي، 1/104). ونری ذروة تقابل فقه هذین الأستاذین في مؤلف أبي یوسف الشهیر اختلاف أبي حنیفة وابن أبي لیلی، وتعامل أبویوسف مع آرائهما تعاملاً انتقائیا حراً، ورجح في کل موضع قولاً علی قول آخر (أیضاً ظ: أبویوسف، الخراج، 88، 174؛ الطحاوي، اختلاف...، 1/159، 197-202، 219-220؛ الکندي، 452).

إن أي أهل نظر لم یتردد أبداً في أن أبایوسف کان فقیهاً من أصحاب الرأي، ولکن یمکننا أن نستنتج من خلال المقارنة بین فقهاء أصحاب الرأي أن أبا یوسف أبدی میلاً واضحاً إلی أسالیب أصحاب الحدیث. وقد بلغ هذا المیل حداً بحیث إن المُزَني الشافعي اعتبر أبایوسف أکثر فقهاء العراق [القائلین بالرأي] تمسکاً بالسنة (الخطیب، تاریخ، 14/246)، وقال عمرو الناقد – الذي کان من علماء أصحاب الحدیث – بعبارة تدل علی تعصبه: «ما أحب أن أروي عن أحد من أصحاب الرأي، إلا عن أبي یوسف، فإنه کان صاحب سنة» (ن.م، 14/253؛ الذهبي، 63). کما صرح ابن عدي الذي کان من علماء الرجال بین أصحاب الحدیث بأن أبایوسف اتبع في کثیر من المواضع «الأثر»، ولم یخش معارضة أصحابه (7/2604).

وبنظرة في آثار أبي یوسف المتبقیة و خصوصاً کتاب الخراج و الرد علی سیر الأوزاعي، یبدو أنه ذکر الآثار و الأحادیث التي استند إلیها، کما قدم في الکثیر منها سنده المتصل اتباعاً لأسلوب أصحاب الحدیث السائر، في حین أن تجرید الکتابات الفقهیة من نصوص الأحادیث کان مأخذ أصحاب الحدیث علی أصحاب الرأي (ظ: الخطیب، ن.م، 14/260).

 

خصائص مذهبه الفقهي

لقد أوضح أبویوسف في أحد مؤلفاته أسلوبه الفقهي قائلاً: «فاجعل القرآن والسنة المعروفة لک إماماً قائداً، واتبع ذلک، وقس علیه مایرد علیک مما لم یوضح الک في القرآن والسنة» (ظ: الرد...، 32). وقد کانت هذه القاعدة العامة مطروحة أیضاً في فقه أبي حنیفة، والمیزة الوحیدة التي یمکن العثور علیها في أدلة أبي یوسف الفقهیة الأخذ بعین الاعتبار قسماً من الجزئیات مثل القول بمحدودیة السنة القابلة للاستناد بالسنة المعروفة (أیضاً ظ: الخطیب، ن.م، 14/254).

ومن خلال الرجوع المباشر إلی مصادر الفقه الحنفي وخاصة آثار أبي یوسف والنظرة التحلیلیة في مواضع الاختلاف بی أبي یوسف وأبي حنیفة یمکن استنتاج الخطوط العامة لأبي یوسف في استنباط الأحکام الفقهیة. وبما أن الإطار الفقهي لأبي یوسف قائم إلی حد کبیر علی الأساس الفقهي لأبي حنیفة، بل إنه یعتبر في الحقیقة امتداد فقه أبي حنیفة، فقد تناولنا هنا وجوه التمایز بین الأسالیب الفقهیة لأبي یوسف و فقه أبي حنیفة فحسب.

ومن بین أهم وجوه التمایز التي تلاحظ في فقه أبي یوسف قیاساً بفقه أبي حنیفة، الابتعاد عن الشذوذ والسعي من أجل مسایرة الأغلبیة إلی حد الإمکان. وبالإضافة إلی ماسیأتي حول تجنب أبي یوسف لاتباع الأخبار الشاذة، فإننا نلاحظ بشکل عام میلاً للابتعاد عن الشذوذ في جوانب مختلفة من فقهه. وفي الحقیقة فإن أبایوسف لایوافق أباحنیفة الرأي في فتاواه المتطرفة تلک، والتي واجهت معارضة شدیدة لدی المذاهب الفقهیة الأخری و من جملة ذلک یمکن الإشارة إلی جواز قراءة القرآن بالفارسیة في الصلاة (السرخسي، المبسوط، 1/37) وکفایة مایصدق علیه اسم القرآن في قراءة الصلاة (القدوري، 1/77) وکفایة ذکر «الله» باعتباره أقصر خطبة في صلاة الجمعة (م.ن، 1/110-111) والقول بعدم استحباب صلاة الاستسقاء جماعة (م.ن، 1/120-121) وبطلان المزارعة والمساقاة (م.ن، 2/228-233). ومع کل ذلک، فقد کان أبویوسف ملتزماً للغایة بالنهج الفقهي المنظم الذي أقره أبوحنیفة. في الوقت الذي کان یتجنب فیه المواقف الشاذة في فقه أبي حنیفة. کما أحل فکراً منظماً آخر في المواضع التي أجد فیها تغییراً جدیراً بالملاحظة في جزء من أجزاء هذا النهج.

وقبل أن نتناول المذهب الفقهي لأبي یوسف وامتیازاته المهمة بالنسبة إلی فقه أبي حنیفة، علینا أن نشیر إلی هذه الملاحظة وهي أن آراء أبي یوسف أکثر نضجاً وعمقاً وملاحظة للمصلحة في بعض المسائل المختلف فیها مقارنة بوجهة نظر أبي حنیفة، وذلک من الناحیة الحقوقیة، إلا أن المواضع التي تخلی فیها أبویوسف عن الرؤیة الناضجة لأبي حنیفة والتزم بآراء أکثر قدماً وسطحیة لیست بقلیل (لتحلیل حول هذا الموضوع، ظ: شاخت، «منابع...»، 303-306). إن الاختلاف في الرأي بین أبي یوسف وأبي حنیفة یطالعنا في جمیع أرجاء کتب الفقه الحنفي، إلا أن أکثر هذه الاختلافات هي في الأبواب المتعلقة بالصلاة والزکاة من العبادات، وفي الحجر والإجارة والوکالة والوقف من المعاملات، رغم ضیق نطاق البحث فیها. والخصیصة التي تلاحظ في باب الزکاة هي أن الشافعي أبی بعد أبي یوسف موقفاً مشابهاً له في غالبیة المواضع التي خالف فیها أبویوسف أباحنیفة (ظ: الشیخ الطوسي، الخلاف، «کتاب الزکاة»، المسائل 4، 15، 33، 62، 68، 73، 83، 96، 119).

إن مایلاحظ بوضوح في فقه أبي یوسف میله الشدید إلی العمل بالأخبار الآحاد، ومع کل ذلک، فإن مواضع افتراق رأي أبي یوسف عن أبي حنیفة یجب تقسیمها إلی نوعین، نوع یعود إلی أن تدوین الأحادیث في عصر أبي یوسف کان قد حدث علی نطاق أوسع نسبیاً و قد کان بإمکان أبي یوسف طبعاً أن یتوصل إلی أحادیث کانت بعیدة عن متناول أستاذه أبي حنیفة بالنظر إلی سماعه من الکثیر من مشایخ الحدیث البارزین في العراق و الحجاز (أیضاً ظ: شاخت، ن.م، 301-302). النوع الآخر من مواضع الخلاف، مصدره أن أبایوسف کان ینقل الحدود المرسومة في فقه أبي حنیفة بین الأمور التعبدیة وغیرالتعبدیة، ویقدم في بعض الحالات الأخبار الآحاد علی الرأي و هو مالم یکن یقبل به أستاذه، حیث إن قسماً من اختلافاتهما في المباحث المتعلقة بالمعاملات والأحکام بالمعنی الأخص، یعود إلی هذه الملاحظة نفسها.

الصفحة 1 من3

تسجیل الدخول في موقع الویب

احفظني في ذاکرتك

مستخدم جدید؟ تسجیل في الموقع

هل نسيت کلمة السر؟ إعادة کلمة السر

تم إرسال رمز التحقق إلى رقم هاتفك المحمول

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.:

التسجیل

هل تم تسجیلک سابقاً؟ الدخول

enterverifycode

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.: