صفحه اصلی / المقالات / دائرة المعارف الإسلامیة الکبری / الادب العربی / أبوالفرج الأصفهاني /

فهرس الموضوعات

أبوالفرج الأصفهاني

أبوالفرج الأصفهاني

تاریخ آخر التحدیث : 1443/1/9 ۲۲:۰۷:۰۵ تاریخ تألیف المقالة

أَبو الْفَرَجِ الْأَصفَهانيّ، علي بن الحسین (284- ح 362هـ/ 897-973م)، من أحفاد مروان بن الحکم، أو هشام بن عبدالملک، راوٍ و شاعر مشهور.

 

دراسة المصادر

کان أبوالفرج صدیقاً و جلیساً لکثیر من کبار کتّاب الثقافة العربیة و مشاهیر عصره: کان التنوخي و ابن الندیم قریبین منه، بینما هرع أبونُعیم الأصفهاني إلی لقائه ببغداد (ظ: التنوخي، نشوار...، 1/18، الفرج...، 4/383؛ ابن الندیم، 158؛ أبونعیم، 2/22). ورغم أن الثعالبي و أبا حیان التوحیدي و الخطیب البغدادي ألفوا کتباً ضخمة في الأدب بعد فترة عصر أبي الفرج بقلیل، لکن الملاحظ أن أیاً منهم لم یتطرق إلی حیاته واکتفی التنوخي في نشوار المحاضرة بالإشارة مرة واحدة فقط إلی الصلات الجزیلة التي کان الوزیر المهلبي یمنحها لأبي الفرج (1/74). وقد قدّم ابن الندیم ثبتاً جیداً نسبیاً بآثاره (ص 128). واهتم الثعالبي بشعره بشکل رئیس، و نقل 12 مقطوعة مابین قصیرة وطویلة من آثاره (3/109-113). أما المعلومات التي یعرضها الخطیب البغدادي فهي أکثر من ذلک بقلیل، لکنه هو الآخر لایضیف إلیها شیئاً أساسیاً. وبعد الخطیب بحوالي قرنین سعی یاقوت إلی جمع معلومات أکثر شمولیة عنه. فهو بعد ذکره اسمه و نسبه وسعة معلوماته وکذلک تقدیمه بحثاً شیّقاً عن تاریخ وفاته، یورد أسماء ششیوخه و تلامذته ثم یعرّج علی الروایات و الحایات التي نقلوها عنه، و في جمیع الحالات کان یذکر مصادره التي اعتمدها. و من هناتتجلی أهمیة عمله، ذلک أنه نقل عدة روایات طریفة – رغم أنها موضع نقد – عن الوزیر المغربي و کذلک عن أدب الغرباء لأبي الفرج مما یُعد بعضه فریداً من نوعه، فمثلاً لایمکن العثور علی الروایات المهمة التي نقلها من نشوار التنوخي، في طبعات هذا الکتاب.

وبهذا أصبح یاقوت أهم وأوسع مصدر لترجمة حیاة أبي الفرج، وقد استندت إلی روایاته في هذا المضمار، جمیع أقوال العملاء الذین تلوه والمؤلفین المعاصرین. فلا تقدّم مؤلفات من تلوه مثل القفطي وابن خلکان و ابن خلدون و ابن شاکر الکتبي و الذهبي وآخرین، أي شيء جدید سوی بعض وجهات النظر و النقود الطریفة. وفي دراسات المعاصرین أیضاض لم یحظ أبوالفرج بکثیر اهتمام، ولم یقدّم المستشرقون بشأنه شیئاً ذا بال، حیث اکتفی نیکلسون و بروکلمات و عبدالجلیل وبلاشیر بذکر أمور عامة و تکرار الروایات القدیمة. کما أن المادة الأساسیة لجمیع المقالات العربیة هي نفس الروایات القدیمة: لم یأت أحمدأمین في ظهر الإسلام و صقر في مقدمة مقاتل الطالبیین و جرجي زیدان في تاریخ آداب اللغة العربیة و کتّاب مقدمة الأغاني طبعة دارالکتب المصریة و کثیرون غیرهم، بشيء جدید.

ومن بین هؤلاء فإن زکي مبارک في النثر الفني هو الوحید الذي نظر إلیه و کتابه الأغاني نظرة ناقدة، والتزم جانب الحیطة عند نقله روایاته في کتاب حب ابن أبي ربیعة، وأبدی أفه لاتحاذ الکتّاب المعاصرین أمثال جرجي زیدان و سه حسین، روایات أبي الفرج أساساً، وأبدوا آراء عامة عن المجتمع علی عهده، دون الانتباه إلی شخصیته و کیفیة تألیف الأغاني (النثر ...، 1/289-302، حب...، 34-38).

ویبدو أن قیمة الأغاني و شهرته الواسعة من جهة، وشخصیة أبي الفرج العجبیة، والحکایات و الروایات التي لاحصر لها مما نقله عن مجون و معاقرة الناس الخمر و فسادهم في القرون الأولی من جهة أخری، کان یمنع الکتّاب من تناول حیاته و آثاره نقداً ودراسة، ولهذا السبب کان الجمیع یکتفون بذکر أخباره و لایقحمون أنفسهم في تحلیل شخصیته أو آثاره. و حتی عندما طلب مجمع اللغة العربیة في القاهرة إلی الکتّاب و الباحثین القیام بهذه المهمة، لم یقدم أحد علی ذلک (خلف الله، 234).

إلا أنه خلال السنوات الواقعة بین 1951 و 1953م؛ اتجه ثلاثة کتّاب عرب للکتابة عن حیاة أبي الفرج. فقد ألف محمد عبدالجواد الأصمعي الذي کان أمین مکتبة دارالکتب في القاهرة سنة 1951م کتاباً تحت عنوان أبوالفرج الأصفهاني و کتابه الأغاني الذي لایتعدی في الحقیقة کونه مجموعة ناقصة من الروایات الخاصة بأبي الفرج. وفي نفس السنة انبری شفیق جبري في سوریا لکتابة ترجمة حیاة أبي الفرج و أولی جلّ اهتمامه لکتاب الأغاني و لموضوعات مثل نقد أبي الفرج للرواة و نقد الرواة لأبي الفرج و المدارس و المجالس و الحانات و أخیراً الوضع الذي کانت علیه النساء، ونقل مجموعة من روایات الکتاب التي تدل علی تلک الموضوعات. وقد أصر جبري علی أن لایستفید إطلاقاً من مصدر سوی الأغاني في بحثه. و لذا فإن ترجمة حیاة أبي الفرج غیر موجودة في أثره هذا، ولم تخصص سوی الصفحات 21-43 للحدیث عن شخصیته من خلال الأغاني. طبع هذا الکتاب في دمشق تحت عنوان دراسة الأغاني. وفي 1953م طبع محمد أحمد خلف الله في القاهرة کتاب صاحب الأغاني أبوالفرج الأصفهاني الراویة. و یختلف عمله هذا اختلافاً جذریاً عما کان قد ألف قبله، بل و حتی عما أُلف بعده أیضاً. فقد تناول بذکاء ودقة الروایات بالحبث و النقد. ولما کان قد درس مصادر جمة فقد استطاع أن یقدم آراء جدیدة و جریئة عن أبي الفرج، رغم أن استنتاجاته مبالغ فیها و غیر مقبولة أحیاناً.

کما طُبع کتاب آخر لشفیق جبري في 1955م (بیروت) خصص بأکمله لکاتب الأغاني. ثم أُلفت بعده 3 کتب اقتصرت علی دراسة الأغاني: الأول معاني الأصوات في کتاب الأغاني لجرجیس فتح الله (بغداد، 1958م)؛ ثم شروح الأصفهاني في کتاب الأغاني لطلال سالم الحدیثي و کریم علکم الکعبي (بغداد، 1967م)؛ وأخیراً حل رموز کتاب الأغاني للمصطلحات الموسیقیة لمحمدهاشم رجب (بغداد، 1968م).

ومن الکتب الأخری بهذا الشأن کتاب لداود سلّوم بعنوان کتاب الأغاني و منهج مؤلفه الذي طبع ببغداد في 1969م، والآخر أبوالفرج الأصفهاني في الأغاني لممدوح حقي، طبع في بیروت عام 1971م.

ویبدو أن المؤلفین الشیعة لم یشاؤوا أن یتناولوا حیاته بنظرة ناقدة وشاملة: فقد ذکره النجاشي 3 أو 4 مرات فقط (ص 145، 263، 269)، ونسب إلیه الشیخ الطوسي کتابین عجیبین بطابع شیعي بحث (ص 224). وفي العصور المتأخرة نقل المؤلفون بصورة عامة الروایات الخاصة به مختصرة حیناً و مفصلة حیناً آخر و تجنبوا إبداء أي رأي بشدنها عدا الخوانساري الذي هاجمه بشدة ووضعه خارج نطاق الشیعة.

 

حیاته

ولد أبوالفرج في 284هـ (الخطیب، 11/400)، لکن لم یُشر في المصادر المتقدمة إلی مکان ولادته. ووصفه التنوخي بأنه معروف بالأصفهاني (ظ: نشوار، 1/18، الفرج، 1/356؛ أیضاً ظ: الخطیب، 11/398). وقدّمه الثعالبي بوصفه أصفهاني الأصل (3/109)، ولم یضف الآخرون شیئاً إلی ذلک. ومع کل هذا، فقد اتفق الجمیع في القنر الأخیر علی أنه ولد في أصفهان. ویبدو أن طاش کبري زاده هو أول من أبدی رأیاً کهذا (1/211)، ثم کرره المستشرقون مثل نیکلسون (ص 347) وعبدالجلیل (ص 207) و نالینو (ظ: EI2)، وکذلک الکتّاب العرب مثل الزرکلي (4/278) وأمین (1/240) و صقر (ص «ألف»). وربما أید ظاهر کلام ابن حزم هذا الرأي، ذلک أنه یقول عند عدّه أعقاب مروان بن الحکم: له أعقاب في أصفهان و مصر و منهم: صاحب الأغاني أبوالفرج الأصفهاني (1/107)؛ إلا أن دراسة أوضاع أسرة أبي الفرج تجعل هذا الاحتمال ضعیفاً.

کان أبوالفرج من أسرة من أهل الأدب و الموسیقی. ولاتوجد أیة معلومات عن أبیه، وقد أخطأ جبري (ص 22-23) عندما تصور استناداً إلی روایة الأغاني (8/220-221) أن أباه و عمته کانا موسیقیین، ذلک أن تلک الروایة تتعلق بإسحاق الموصلي و لیس بأبي الفرج. و ربما کان سبب خمول اسم أبیه هو موته المبکر. وعلی أیة حال فإن عمه الحسن وعم أبیه عبدالعزیز کانا من المشاهیر. یقول ابن حزم بشأن هذین الاثنین إنهما کانا من الکتّاب الکبار في سامراء، وکانا علی قید الحیاة حتی عهد المتوکل (ن.ص). ویضیف الخطیب أن الحسن کان یروي عن عمر ابن شبة، بینما کان أبوالفرج یروي عن الحسن (7/417). حقاً إن أبا الفرج کان ینقل دائماً عن الحسن بحیث أورد اسمه في جمیع تراجم شعراء سامراء تقریباً (ظ: خلف الله، 41). کما کان یساهم في مجالس شعر الکبار، ثم یحکي لابن أخیه الوقائع التي کانت تروی في تلک المجالس (مثلاً ظ: الأغاني، 10/65).

وکان محمد جدّ أبي الفرج أیضاً من أدباء زمانه. وقد روی هو نفسه أنه کان یحضر مجلس عبیدالله بن سلیمان. ثم نشدت صداقة حمیمة فیما بعد بینه و بین عبیدالله بن سلیمان الذي أصبح وزیراً للمعتضد في 279هـ (خلف الله، 36-37). ومن جهة أخری کان مقرباً جداً من وجوه العلویین والهاشمیین، فکما کان یقولک إن أولئک الوجهاء کانوا یجتمعون في داره (مقاتل ...، 698). ومع کل هذا فلم یظهر في أي موضع أن أحداً من هذه الأسرة مال إلی التشیع سوی أبي الفرج. ولایستبعد أن یکون سبب صداقتهم للعلویین آنذاک هو الحقد المشترک الذي کانت تکنّه الأسرتان للعباسیین. و قد نقل أبوالفرج مراراً روایات عن طریق عمه الحسن عن جده محمد. وفضلاً عن هذین الاثنین فقد روی مرتین عن ابن عمه أحمد (الأغاني، 16/396، 18/119)، و 10 مرات عن عم أبیه عبدالعزیز (ظ: خلف الله، 40). وکانت هذه الروایات تصل أحیاناً عن طریق عبدالعزیز إلی مشاهیر مثل الریاشي و ثعلب وأحمد بن الحارث الخراز و الزبیر بن بکار (م.ن، 39). ولما کنا نعلم استناداً إلی قول ابن حزم (ن.ص) أن الحسن و عبدالعزیز و جمیع أفراد هذه الأسرة بشکل عام کانوا یعیشون في سامراء، فلا بد أن نعتبر حضوره في سامراء أکثر من تواجده في أصفهان.

کان لأبة الفرج صلة قربی بأسرة ابن ثوابة (ن.ع) عن طریق أمه، وقد ذکر مراراً جده لأمه یحیی بن محمد بن ثوابة (ظ: خلف الله، 43)، ونقل عن کتابه روایات (مثلاً الأغاني، 9/103). کما أورد أبوالفرج في ترجمته للبحتري نقلاً عن العباس بن أحمد بن محمد بن ثوابة، الواقعة التي کان البحتري هجا فیها أباه أحمد بن ثوابة (ن.م، 21/44-45)، لکن ربما کانت صلة القربی التي تربطه به قد جعلته یغض النظر عن ذکر هجاءاته، وربما لهذا السبب أیضاً قال في البحتري إنه ماهر في جمیع أغراض الشعر سوی الهجاء (ن.م، 21/37؛ أیضاً ظ: خلف الله، 46).

وکما أشرنا فإن هاتین الأسرتین، کانتا تعیشان في سامراء وأحیاناً في بغداد. واستناداً إلی هذا تبدو ولادة أبي الفرج في أصفهان أمراً غریباً جداً، إلا أن نتصور أن أبوبه ذهبا إلی أصفهان لفترة، وهناک ولد أبوالفرج. ویبدو أن الذي جعل الجمیع یعتقدون بکونه أصفهانیاً هو نسبه «الأصفهاني». ولکن یبدو أن هذه الکلمة کانت تطلق علی أکثر أفراد أسرته بوصفها لقباً: دُعي أبوه الحسین و عمه الحسن (أبوالفرج، ن.م، 9/27) وابن عمه أحمد (ن.م، 16/396، 18/119) و جده محمد (مقاتل، ن.ص) بأسرهم بلقب الأصفهاني (أیضاً ظ: خلف الله، 22-23، 94-96).

ومهما یکن من أمر، فإن أبا الفرج لم یذکر علی الإطلاق أصفهان بوصفها المدینة التي کان یعرفها أو تربطه بها علاقة، لکنه تحدث عن سفره إلی عدة مدن، أو إقامته في أخری و أولها الکوفة، حیث یقول في الأغاني: حدثني أحمد العجلي العطار في الکوفة بکذا ... (14/228، 18/288)، أو: قال لي الحسین الشجاعي البلخي في الکوفة... (14/319). کما صرح في المقاتل أیضاً بأنه سمع روایة في الکوفة (ص 131). وفضلاً عن ذلک فإن الکثیرین من أولئک الذین عُدّوا من شیوخه ونقل عنهم مراراً، کانوا بأسرهم من کبار رواة الکوفة و منهم محمد بن عبدالله الحضرمي و محمد القتّات و علي بن العباس المقانعي و الحسین ابن أبي الأحوص ممن اشتهروا أکثر ما اشتهروا بروایة الحدیث (ظ: الخطیب، 11/398).

وربما کان یتتلمذ في الکوفة علی محمد بن الحسین الکندي الذي کان استناداً إلی تصریح أبي الفرج (الأغاني، 15/350) خطیب مسجد القادسیة. ویبدو أنه کان یأتي إلی الکوفة بسبب قرب القادسیة منها، فیأخذ علیه أبوالفرج الفتي مبادئ العلوم، ذلک أن أبا الفرج نفسه یقول: أخبرني مؤدبي محمد بن الحسین الکندي (ن.م، 14/165). وإذا سلّمنا بأنه عاش في الکوفة فیمکن القول بشکل جازم إن إقامته فیها لم تتجاوز السنة 17 من عمره، إلا أنه یمکن بوضوح ملاحظة تأثیر محدثي هذه المدینة و خاصة العلویین الذین کانوا قد اجتمعوا في الکوفة بشکل أکبر، في آثاره. وأول کتبه المهمة مقاتل الطالبیین الذي ألفه في 313هـ (أي قبل لاثلاثین من عمره، ظ: مقاتل، 4)، وغالباً ما کان یروي فیه عن محدثي الکوفة ورواتها الشیعة. وکلامه في هذا الکتاب جادّ خال من الغزل و الغناء.

نعلم أن أبا الفرج کان في بغداد بعد سنة 300هـ/ 913م قلیل، ذلک أنه و ضمن ترجمته لحیاة أبي شراعة في الأغاني یقول إن ابنه أبا الفیاض قدم علینا ببغداد بعد سنة 300هـ، ونقل الأصحاب عنه قطعاً من الأخبار واللغة. لکن لما لم یتمکن أبوالفرج نفسه من لقائه، فقد کتب أبوالفیاض رسالة له ولأبیه أجازهما فیها بروایة الأخبار (23/22). ویوضح هذا الکلام عدة أمور: الأول أنه کان یعیش في بغداد منذ السابعة عشرة من عمره تقریباً، والثاني أن أباه کان حیاً حتی ذلک الحین، لکن یحتمل أن یکون قد توفي آنذاک، ذلک أن أبا الفرج لم یعد یذکر اسمه في أي موضع خلافاً لبقیة أعضاء الأسرة وخاصة عمه الحسن. و الثالث أن أبا الفرج کان یجمع روایات و أخبار کتاب الأغاني منذ حداثة سنه علی مایبدو، وأن مانقل عن لسانه من أنه جمع الکتاب طیلة 50 سنة (یاقوت، الأدباء، 13/90) لایخلو من صحة.

وقبل أن نتناول بالبحث بغداد، تلک المدینة التي أمضی فیها الشطر النشط من حیاته، نشیر إلی بقیة أسفاره: ذهب إلی أنطاکیة في تاریخ لانعرفه، وذکر في الأغاني مرتین أنه سمع هناک روایات من عبدالملک ابن مسلمة القرشي وأبي المعتصم عاصم (13/31، 14/63). وکانت رحلته الثانیة التي یحتمل أنها حدثت في أواخر عمره، إلی مدینة البصرة، لکن لم یشر إلیها في الأغاني، ولم تنقل فیه روایة عن کبار رواتها. ولیس من المستبعد أن یکون العمل بکتاب الأغاني قد انتهی في ذلک الزمان. وقد وردت روایة هذه الرحلة في کتابه الآخر أدب الغرباء (ص 37؛ أیضاً ظ: یاقوت، ن.م، 13/115). فهو یقول في هذه الروایة إنه ذهب إلی البصرة قبل عدة سنوات ووجد له بیتاً في خان بحيِّ قریش، وعاش فیه غریباً. وبعد عدة أیام و حین کان یغادره متجهاً إلی «حصن مهدي» (حي في شمال البصرة قریب من نهر الأبّلة)، کتب علی جدار البیت مقطوعة من 8 أبیات (أدب...، 37-39).

توضح هذه الروایة عدة أمور من حیاة أبي الفرج: أولها أن أحداً لم یکن یعرفه في البصرة، بینما قیلت حکایات عن اشتهاره و کتابه الأغاني بشکل خاص؛ والآخر أنه لم یکن یلتقي إلا بأولئک الذین کان قد سمع بأسمائهم، و کان غریباً إلی الحد الذي اضطر معه إلی إیثار السکن في خان. والشعر الذي کتبه أبوالفرج علی جدار ذلک البیت شعر طافح بالأسی، فنراه فیه رجلاً یعاني ضیق ذات الید، مجهولاً یتحسر علی النعم التي کان یرفل فیها و علي قصره الجمیل ببغداد و یهجو أهل البصرة بسبب عدم مبالاتهم به (ظ: خلف الله، 27-28). وخلال إقامته في البصرة کان یذهب أحیاناً إلی نواحي نهر الأبلة، ووجد مرة شعراً مکتوباً علی جدار أحد البساتین القربیبة من رلک النهر (أدب، 51-52).

ولم یُشر إلی بقیة أسفاره أیضاً في أي کتاب عدا أدب الغرباء، فهو یذکر في هذا الکتاب القیم أسماء أماکن لاتتجاوز حدود المنطقة الواقعة بین بغداد و البصرة. ولذا یمکن تخمین أنه رأی هذه المناطق خلال سفره إلی البصرة الذي أشیر إلیه آنفاً. وکان لفترة في الأهواز، ذلک أنه قال مرة إن کُتبیاً من تلک المدینة نقل له حکایة (ص 82). وفي موضع آخر بیّن أنه کان قد عاشر في الأهواز جماعة دعاه أحدهم لمشاهدة «الشاذروان» الذي یحتمل أن یکون هو نفس السد المعروف في العصر الساساني، وقد أُخذ بسحر جمال مناظره (ص 97-98). وقد ذهب من الأهواز إلی حي متّوث الذي یقع بین الدهواز وقر قوب (علی بعد عدة کیلومترات غربي الشوش)، ووجد علی جدران مسجدها الجامع شعراً و تذکاراً (ص 32-33).

والمدینتان الأخریان اللتان مرّ بهما أبوالفرج لم تکونا بدورهما لتبعدان کثیراً عن بغداد: إحداهما مدینة أسکرة الملک التي کانت واقعة شرقي بغداد علی الطریق المتجه إلی خراسان، وقد قرأ هناک علی جدار المسجد الجامع بیتي شعر کان رجل قد کتبهما في 353هـ (ن.م، 33-34). کما أنه قابل حوالي کوثی التي لاتبعد هي الأخری عن بغداد، الشاعر الأخیطل (ن.م، 41-42؛ عن هاتین المدینتین، ظ: الإصطخري، 87-88).

 

في بغداد

ولوحظ في روایة أبي شراعة أن أبا الفرج کان یعیش منذ السابعة عشرة من عمره ومابعدها مع أبیه في بغداد. ولاتتوفر لدینا عن حیاته ببغداد روایات واضحة و صریحة لنتمکن في ضوئها من أن تتابع مجریات الوقائع التي مرّ بها خلال 40 عاماً واحدة واحدة وبحسب التسلسل الزمني. وإن الروایات ذات العلاقة به مما هو متوفر في مصادر القرنین 4 و 5 هـ قلیلة إلی الحد الذي یؤدي حقاً إلی حیرة الباحث و ربما حدا به إلی أن یظن – في تعلیله لهذا الأمر – أبا الفرج رجلاً مجهولاً تقریباً و کتابه الأغاني أثراً قلیل الأهمیة في ذلک الزمان (مثلاً ظ: خلف الله، 17). ومن ناحیة أخری فهو یشیر في مناسبات مختلفة و خلال روایته القصص، إلی أصدقائه و ندمائه و العلاقات التي کانت تربطه بهم، ویجسد مشاهد عدیدة لمجالس اللهو، أو محافل إنشاد الشعر و الغناء، مما لاینسج و افتراض کونه مجهولاً. وفي سرد هذه الأمور یسترعي الانتباه کثیراً صدق أبي الفرج و صراحته و جرأته و بشکل خاص رقة کلامه، و تتجلی من خلال هذه الروایات شخصیته لقرائه بکل وضوح. وصفاؤه و صدقه في القول یحدود بنا إلی أن نتقبل بثقة کلّ ما قاله عن نفسه، و نعتقد أنه لم یغلق بوجوهنا دیة نافذة تطل علی مایتعلق بشخصیته و خصائصه الأخلاقیة و العقائدیة و الفنیة.

کان أبوالفرج یعیش ببغداد علی مایبدو في منزل کبیر و فخم علی شاطئ دجلة بین درب سلیمان و درب دجلة، یتصل ببیت أبي الفتح البریدي (یاقوت، الأدباء، 13/104). ویبدو أنه منذ بدایة إقامته ببغداد لم یکن له عمل سوی جمع الروایات، سواء أکانت لکتب مثل المقاتل، أو لکتب في الشعر و الموسیقی. ولم ینسب إلیه أي أحد مهنة معینة، لکن یمکن ذکر أسماء أشخاص عدیدین درّسوه أو نقلوا له روایات.

اعتبر الخطیب البغدادي أن أشهر شیوخه هم: محمد بن عبدالله الحضرمي مطین و محمد بن جعفر القتات و الحسین بن عمر بن أبي الأحوص الثقفي و علي بن العباس المقانعي و علي بن إسحاق بن زاطیا و أبو خُبیب البتري ومحمد بن العباس الیزیدي (11/398). وقد أضاف أبونعیم إلی هذه المجموعة جعفر بن مروان (2/22). کما أورد یاقوت أسماء من روی عنهم بالشکل التالي: ابن درید و أبوبکر ابن الأنباري والفضل بن حباب الجمحي و علي بن سلیمان الأخفش و نفطویه (ن.م، 13/95). إلا أن أیاً من هذه الفهارس لیس کاملاً. فبشهادة الأغاني و مقاتل الطالبیین، فإنه التقی العدید من مشاهیر زمانه و علمائه و سمع منهم الروایات، و ربما أمکن إضافة هذه الأسماء إلی الأسماء المذکورة آنفاً: الطبري و محمد بن خلف بن المرزبان و جعفر بن قدامة و یحیی بن المنجم، والأهم منهم جمیعاً عمه الحسن، و أخیراً الشاعر الماجن جحظة.

الصفحة 1 من4

تسجیل الدخول في موقع الویب

احفظني في ذاکرتك

مستخدم جدید؟ تسجیل في الموقع

هل نسيت کلمة السر؟ إعادة کلمة السر

تم إرسال رمز التحقق إلى رقم هاتفك المحمول

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.:

التسجیل

هل تم تسجیلک سابقاً؟ الدخول

enterverifycode

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.: