صفحه اصلی / المقالات / دائرة المعارف الإسلامیة الکبری / الادب العربی / أبوعلي الفارسي /

فهرس الموضوعات

أبوعلي الفارسي

أبوعلي الفارسي

تاریخ آخر التحدیث : 1443/1/7 ۱۷:۰۹:۲۱ تاریخ تألیف المقالة

أَبوعَليٍّ الْفارِسْيّ، الحسن بن أحمد بن عبدالغفار (288-377هـ/ 901-987م)، نحوي ولغويو مقرئ إیراني. ولد في فسا، ومن هنا لقب بالفارسي والْفَسَوي (الزبیدي، 120؛ التنوخي، 4/34). کان أوه إیرانیاً، أما أمه فهي عربیة من قبیلة سدوس بن شیبان (رهط من ربیعة الفَرّس)، هاجرت إلی فارس (یاقوت، 7/232- 233). رغم أن بعض المعاصرین اعتبروا أمه أیضاً إیرانیة (أمین، 2/91).

أنهی أبوعلي دراسته التمهیدیة في فسا علی مایبدو، وهناک تبحر في اللغتین العربیة و الفارسیة (ظ: ابن جني، الخصائص، 1/91، 243؛ الجوالیقي، 4، 27، 187؛ الحسیني، 260). ثم توجه إلی بغداد في 307هـ لمواصلة دراسته (ابن خلکان، 2/80؛ الیافعي، 2/406). وربما کانت الأوضاع السیاسیة و الاضطرابات الناجمة عن الصراعات الداخلیة في فارس أحد عوامل تلک الهجرة (قا: شلبي، 54-56). ورغم أن بغداد أیضاً لم تکن آنذک ذات أوضاع أفضل (ظ: ابن الأثیر، 8/116-117)، إلا أنها کانت تعد من أهم الحواضر العلمیة والأبیة التي انهمک فیها الکثیر من أبرز العلماء بتدریس العلوم.

اتجه أبوعلي منذ البدء إلی علم النحو و اللغة واتخذ من الکتاب لسیبویه و الآثار اللغویة لأبي زید الأنصاري خاصة النوادر في اللغة أساساً لعمله، وقرأ الکتاب علی ابن السراج و أبي بکر مَبرمان، وکتاب المسائل الکبیر علی مؤلفه الأخفش، وقد کانوا بأسرهم من أشهر نحاة عصرهم (أبوعلي، المسائل المشکلة...، 180، 395؛ أبوحیان التوحیدي، 1/31؛ یاقوت، 7/252- 353؛ الیماني، 83؛ الفیروزآبادي،53؛ السیوطي، بغیة...، 1/175). وبعد أبوإسحاق الزجاج و أبوکر الخیاط أیضاً من بقیة أساتذته في النحو (ابن الأنباري، 216؛ یاقوت، 7/233). کما درس في علم اللغة أیضاً الاشتقاق علی مؤلفه ابن درید و إصلاح المنطق لابن السکیت علی أبي إسحاق الزجاج (ابن سیده، المخصص، 5/74؛ شلبي، 94).

اختار أبوعلي لدراسة علم القراءات أیضاً أکبر مقرئي عصره أبابکر ابن مجاهد، فقرأ علیه معاني القرآن للفراء، کما قرأ کتاب المعاني علی مؤلفه الزجاج (ظ: ابن جني، المحتسب، 1/36؛ ابن الجزري، 1/207). ولم ینس نصیبه من الشعر و الأدب أیضاً، حیث درس دیوان النابغة الذبیاني بروایة الأصمعي علی أبي بکر ابن السراج، و معاني الشعر علی مؤلفه الخیاط (أبوعلي، ن.م، 343؛ ابن الأنباري، ن.ص؛ یاقوت، 7/261؛ قا: شلبي، 92). وفضلاً عن هذا، فقد درس بدقة کتباً کثیرة أخری منها المقتضب والغلط والأمالي للمبرد، وکذلک الألفاظ للأصمعي، وأصول النحو لابن السراج، وانبری لنقدها بدقة متناهیة (ظ: أبوعلي، ن.م، 268، 278-279، 305، 408، 456). ویبدو أنه کان متمکناً مالیاً (ظ: الیماني، 84)، ویقال: إنه اشتری في الأهواز شرح أبي سعید السیرافي علی الکتاب لسیبویه في 368هـ عندما کان متوجهاً إلی بغداد بألفي درهم (یاقوت، 8/180). وقد أعانته سعة ذات الید هذه في شتی مراحل دراسته، ذلک أن المبالغ التي کان یستوفیها بعض الأساتذة لقاء تدریسهم، لم یکن بمقدور کل أحد دفعها، وفي روایة فإن مبرمان کان یأخذ 100 دینار لقاء تدریس الکتاب (م.ن، 18/255؛ السیوطي، ن.ص؛ ظ: شلبي، 124).

مکث أبوعلي ببغداد لما یقرب من 30 عاماً، وبعد تلقیه العلم عن الأساتذة المشهورین في ذلک العصر، أصبح هو بسرعة أستاذاً وشرع بتدریس العلوم المختلفة، وکما یقول ابن جني، فإنه أخذ علی عاتقه تدریس کتابي أستاذه ابن السراج (تـ 316هـ) الجمل والموجز خلال حیاته (ظ: یاقوت، 7/239). وفضلاً عن هذین الکتابین، فقد کان یُدرَس أیضاً آثاراً أخری في شتی علوم النحو و اللغة و القراءات و منها الکتاب لسیبویه و النوادر لأبي زید الأنصاري و المعاني للزجاج و معاني القرآن للفراء وکتابه الإیضاح (ظ: ابن جني، ن.م، 1/36، 63، 129، مخـ؛ القفطي، 1/275، 2/387). وقد لقیت مجالس درسه ببغداد إقبالاً واسعاً وهرع الطلاب إلیها من شتی الأرجاء (ظ: ابن تغري بردي، 4/151) ممن أصبحوا فیما بعد في عداد أکبر علماء ذلک العصر، ومن أشهرهم ابن جني و أبوالقاسم التنوخي و علي مبن عیسی الربعي و أبوطالب العبدي والأزهري صاحب تهذیب اللغة و الجوهري صاحب الصحاح وعبدالملک بن بکران النهرواني (ظ: ابن جني، الخصائص، 1/207، 276، مخـ؛ التنوخي، 4/43؛ الخطیب، 7/275؛ ابن الأنباري، 216؛ ابن الجزري، ن.ص؛ ابن الجوزي، 7/138). وقد ذکر أبوطالب العبدي أن عدد التلامیذ الذین کانوا یدرسون علیه الکتاب زاد علی 30 شخصاً (ظ: القفطي، ن.ص). واعتبر ابن خیر (ص 42) و یاقوت (ن.ص) الرمانيَّ 78-79) اعتبر هذا الأمر مستحیلاً ورأی أن تلمیذه کان في الحقیقة هو الربعي الذي حُرف في المصادر المذکورة إلی الرماني (قا: شلبي، 139). وکان ابن القارح (ن.ع) الذي أصبحت رسالته المعروفة الموجهة لأبي العلاء حافزاً له علی تألیف رسالة الغفران، من تلامیذ أبي علي، وقد تباهی هو بنفسه بسبب ذلک (1/36، 56).

وأبوعلي مدین بشهرته إلی حدّما لتلامذته، ذلک أن الکثیر منهم وبعد استفادتهم العلم من مجالسه، سافروا إلی مدن و بلدان مختلفة و نشروا آثاره في الشرق و الغرب و یمکن أن نذکر منهم ابن شقیقته أبا الحسین محمد بن الحسین بن عبدالوارث (تـ 431هـ) (ظ: الثعالبي، 4/384- 386؛ یاقوت، 18/186- 187؛ شلبي، ن.ص). وقد عدّ البعض الصاحب بن عباد و الشریف الرضي أیضاً من بین تلامیذه (ظ: یاقوت، 7/249؛ أفندي، 1/212؛ الأمین، 5/11).

لم یقطع أبوعلي خلال إقامته ببغداد، علاقاته بمسقط رأسه، وکان یسافر بین الحین و الآخر إلی فارس (ظ: یاقوت، 7/261). وقد سافر أیضاً – فضلاً عن بغداد – إلی مدن کثیرة منها البصرة وواسط و الموصل وحلب و دمشق، وألف رسائل في الرد علی الأسئلة التي کانت توجه إلیه في تلک المدن سمیت بأسماء نفس المدن مثل: المسائل البصریات، البغدادیات، الحلبیات (ظ: بقیة المقالة).

غادر أبوعلي الفارسي بغداد في 341هـ إلی الموصل (ابن جني، المحتسب، 1/186). وتحدثت المصادر القدیمة ضمن حوادث هذه السنة عن حریق هائل ببغداد تلفت علی إثره ثروات ضخمة (ظ: ابن الأثیر، 8/499). وقد ترکت هذه الحادثة في نفسه أعمق الأثر مما جعله جلیس داره لفترة لشدة حزنه وأساه (ظ: یاقوت، 7/257). ویحتمل أن لایکون هذا الأمر دون تأثیر في هجرته من بغداد إلی الموصل.

لم یمکث أبوعلي کثیراً في الموصل، وقد تعرف خلال هذه الفترة إلی ابن جني الذي لم یکن عمره آنذاک لیزید علی العشرین عاماً، والذي کان منهمکاً بتدریس النحو في جامع الموصل، فاختبره أبوعلي في مسألة صرفیة، ولما لم یتمکن ابن جني من الجواب علیها، ترک التدریس وأصبح في عداد تلامیذ أبي علي الأوفیاء و ظل ملازماً حتی وفاته، أي لما یقارب 36 عاماً (ابن جني، ن.ص؛ یاقوت، 12/90-91؛ قا: ابن الأنباري، 229، الذي اعتبر ابن جني ملازماً له 40 عاماً). ولم تمض سنة حتی غادر أبوعلي الموصل، وبعد إقامة قصیرة في طرابلس و معرة النعمان (الذهبي، سیر...، 16/380؛ شلبي، 61)، ذهب إلی حلب برفقة ابن جني إلی سیف الدولة الحمداني (ابن خلکان، 2/80؛ الیافعي، 2/406). وکان بلاط سیف الدولة آنذاک میداناً للمنافسة بین الأدباء والشعراء و الکتّاب البارزین مثل ابن خالویه و المتنبي و أبي الطیب اللغوي الذین کان کل واحد منهم یسعی بلهفة إلی أن یظهر نفسه بأنه أفضل من الآخرین من خلا لإظهاره علمه لینال حظوة أکبر لدی الأمیر (ظ: ابن خلکان، 3/401؛ محمد، 23؛ حسن، 1/7-8). عاش أبوعلي في بلاط سیف الدولة 5 سنوات، وانبری مراراً في هذه الفترة التي کانت في الحقیقة فترة نزاعاته العلمیة لمناظرة المتنبي، وبشکل خاص لمناظرة خصمه ابن خالویه الذي کان یکنّ له حقداً دفیناً، وأثبت تفوقه علیه في النحو و اللغة، وذلک في المجالس والأوساط العلمیة والأدبیة التي کانت تعقد غالباً بحضور سیف الدولة. وأخیراً تجاوزت المنافسة بین هذین الخصمین حدّ المناظرة وانتهت إلی عداء شدید و تألیف کتب في الرد علی بعضهما (ظ: ابن خلکان، 2/80؛ ابن الأنباري، 215؛ الدلجي، 133-134؛ محمد، 26-27). وکان سیف الدولة أیضاً یساهم بنفسه غالباً في إذکاء نار الخلافات بینهما بتفضیله أحدهما علی الآخر، و یلتزم في المناظرات جانب ابن خالویه بشکل أکبر علی مایبدو (ظ: القفطي، 1/327). وفي نهایة المطاف تفوق ابن خالویه الذي کان یحظی بنفوذ أکبر في بلاط سیف الدولة، وغادر أبوعلي حلب مضطراً في حوالي 347هـ (ابن جني، الخصائص، 2/88؛ الحسیني، 216).

أمضی أبوعلي بعد ذلک فترة ببغداد ودمشق وبعض مدن خراسان. وقد ازدادت شهرته خلال ذلک وسارت باسمه الرکبان. لذا دعاه عضدالدولة الدیلمي إلی شیراز لیوکل إلیه مهمة تعلیم أبناء أخیه (الزبیدي، 120؛ یاقوت، 7/233؛ راشد، 9). قوبل أبوعلي في شیراز بحفاوة من عضدالدولة، وکان یعقد مجالس درسه في جامع شیراز وأحیاناً في منزله، و من تلامیذه في شیراز یمکن أن نذکر عبیدالله بن أحمد الفزاري و عضدالدولة نفسه. و کان عضدالدولة یجلّه کثیراً و یصف نفسه بأنه تلمیذه في النحو (التنوخي، 4/44؛ یاقوت، 7/255؛ السیوطي، بغیة، 2/126؛ شلبي، 133). ولم یدخر أبوعلي وسعاً في تقدیم أیة خدمة له، فقدم إلیه أهم کتبه الإیضاح والتکملة و الحجة (أبوعلي، الحجة...، 1/3؛ ابن خلکان، ن.ص).

وفي 354هـ/ 965م، النضم المتنبي أیضاً إلی بلاط عضدالدولة، وخلال ذلک استطاع ابن جني أن یمهد سبل الصداقة بنی هذین الاثنین (البدیعي، 161-162؛ فروخ، 2/463). وینبغي اعتبار فترة حیاة أبي علي في شیراز فترة استقراره و راحة باله، کما أن مؤلفاته الرئیسة هي حصیلة هذه الفترة (ظ: بقیة المقالة). و عندما عزم عضدالدولة في 364هـ علی حرب ابن عمه بختیار بن عزالدولة (ظ: ابن الأثیر، 8/648)، طلب إلی أبي علي أن یرافقه إلی الحرب، غیر أن أباعلي اعتل وامتنع عن الذهاب معه (یاقوت، 7/236-237).

أقام أبوعلي في شیراز إلی 369هـ/ 979م (ظ: ابن جنيف المحتسب، 1/366)، لکنه عاد إلی بغداد بعد ضمها إلی منطقة نفوذ عضدالدولة واهتمامه بإعمارها واستقطابه العلماء و دعمهم (ظ: ابن الأثیر، 8/704- 705). واستناداً إلی الذهبي (تاریخ...، 275)، فإن أباعلي الفارسي کان في 369هـ نائباً عن عضدالدولة في مراسم زواج ابنته من الخلیفة العباسي الطائع لله. وقد أمضی بقیة عمره ببغداد في التدریس؛ وکان التنوخي في أواخر عمر أبي علي، أي 375هـ تلمیذاً لدیه (ظ: التنوخي، 4/43).

اختلف قلیلاً في تاریخ وفاة أبي علي، فقد اعتبرها ابن الندیم (ص 69) قبل 370هـ، مما هو غیر مقبول إذا أخذنا بنظر الاعتبار روایة التنوخي (ن.ص)، بینما اعتبر ابن الأثیر (9/51) وأبوالفداء (2/124) وفاته في 376هـ، لکن جمیع المؤلفین الآخرین تقریباً اعتبروها في ربیع الدول 377 ببغداد (الخطیب، 7/276؛ ابن الأنباري، 217؛ ابن الجوزي، 7/138؛ ابن خلکان، 2/82).ودفن في مقبرة الشونیزیة (ابن الجوزي، ابن خلکان، ن.صص). وقد نظم الشریف الرضي أبیاتاً في رثائه (ظ: 1/588- 589). وکان أبوعلي قد أوصی بتقسیم ثلث أملاکه التي کانت تبلغ 30 ألف دینار بین نحاة بغداد (الیماني، 84).

أثني کثیراً علی مکانة أبي علي العلمیة و عده فریق من النحاة أفضل من أبي العباس المبرد، ووصفوه بأنه نظیر سیبویه (ظ: ابن الأنباري، 216)، ولقبه البعض بالعلامة أیضاً، واعتبروه من أکبر أئمة علم النحو (ن.ص؛ الیماني، 83).

في أیام أبي علي ترک تغلغل الفلسفة الیونانیة أثره تدریجیاً علی النحو، لذلک سعی بعض النحویین مثل أبي علي الفارسي والرماني إلی أن یقیموا قواعد اللغة العربیة علی أسس مبادئ الفلسفة (قا: المبارک، 227-229)، وإن أولئک الذین حاولوا قبل کل شيء علی مایبدو إحلال أساس أبسط محل نظریة العامل، استعانوا لتبیان مفاهیمه وتعبیراته الغامضة بأسالیب و مصطلحات المنطق الأرسطي، لکنهم لم ینجحوا علی الإطلاق في خلق نظام جدید لقواعد اللغة العربیة. وقد بلغت هذه الجهود غایتها علی عهد ابن جني (ظ: زکي، 106؛ المبارک، 81-83؛ شلبي، 588-612). ولاشک أن عقالنیة أبي علي فيالبحوث النحویة و اهتمامه الخاص بالقیاس هما أیضاً ولیدا هذا النمط من التفکیر فهو یقول: أخطأت في خمسین مسألة لغویة قائمة علی السماع، إلا أنني لم أخطئ ولافي مسألة قیاس واحدة (ظ: ابن جني، الخصائص، 2/88؛ قا: یاقوت، 7/238، 254). وإن قانون القیاس المنطقي الذي وضع أسسه أوائل النحویین و منهم الخلیل بن أحمد و سیبویه و الذي کان قد تبلور علی عهد المبرد، اکتمل أخیراً علی أیدي أبي علي الفارسي والزماني وابن جني (ظ: فلایش، «رسالة...»، I/34-36، «مخطط...»، 11-12). و من هذا المنطلق، یبنغي وضع أبي علي الفارسي علی رأس قائمة أصحاب القیاس في مدرسة البصرة (ظ: أمین، 2/91؛ المبارک، 255). وقد أدی اهتمامه الواسع بالقیاس إلی حدوث تعقید و غموض في آثاره مما لم یکن بإمکان الجمیع أن یفهموه (ابن جني، المحتسب، 1/197؛ یاقوت، 14/75).. وبطبیعة الحال، فإن ذلک لایعني أنه لم یکن یهتم بالسماع، فآثاره مفعمة بالموضوعات القائمة علی السماع، وقد أضاف إلی مصادره في السماع الحدیث النبوي و شعر المحدثین مما لم یکن یُستند إلیه قبله، وقد استشهد مراراً في آثاره بالأحادث النبویة واستند إلی أشعار المحدثین و منهم أبوتمام (ظ: الإیضاح، 1/101- 102؛ الحسیني، 280- 281).

کما اهتم أبوعلي بأساس اللغة و جذورها أیضاً و خلافاً لکثیر من أهل الاختصاص الذین یرون للغة مصدراً و عقداً اجتماعیاً، یری استناداً إلی الآیة الکریمة «علّم آدم الأسماء کلها» (البقرة/ 2/ 31)، أن الله هو مصدر اللغة، ویسوّغ ابن جني الذي هو نفسه من معارضي هذه النظریة قول أستاذه بقوله: إن الله منح الإنسان العلم و القدرة علی وضع اللغة، ولذا فهو لایری خلافاً بین رأي أستاذه و بین أولئک الذین یرون اللغة و ضعیة (ابن جني، الخصائص، 1/40- 41). إلا أن مایقصده أبوعلي في الواقع هو غیر هذا. فهو یعتقد کأستاذه أبي الحسن الأخفش أن الله علّم آدم الأسماء بشتی اللغات من عربیة وفارسیة و سریانیة و غیرها، ثم تفرق أبناؤه في مختلف بقاع الأرض، ومن هنا ظهر اختلاف اللغات (ظ: ابن جني، ن.م، 1/41). وله أیضاً نظریات خاصة بشأن علم الأصوات، ویعتقد أن الحرکة تظهر تزامناً مع الحرف ویقول بهذا الشأن: رغم أن مخرج الون الساکنة هو الخیشوم، لکنه ینما یُحرک ینتقل مخرجه من الخیشوم إلی الفم. کذلک الألف عندما یُحرک فإنه یُقلب إلی همزة، وهذا یدل بذاته أن الحرکة تظهر مع الحرف.ورغم أن هذا الرأي لایتفق مع آراء علماء اللغة الیوم، إلا أنه یحظی بأهمیة بالغة لکونه من أوائل البحوث في هذا المضمار (ظ: ن.م، 2/324).

وفي بحث الاشتقاق الأکبر أیضاً الذي قیل في کثیر من المصادر إن ابن جني کان أول من طرحه لدول مرة واعتُبر هو مبدعه (ظ: السیوطي، المزهر، 1/347)، ینبغي القول بتدعیم من ابن جني نفسه: إن أبا علي الفارسي هو الذي طرحه للمرة الأولی من غیر أن یسمیه الاشتقاق الأکبر. ولاشک في أن أفکار أبي علي بهذا الصدد کانت مصدر إلهام لابن جني في هذا المضمار (ظ: ابن جني، ن.م، 2/133؛ أمین، 2/92؛ الصالح، 186، 200-201).

وأبوعلي الفارسي هو من بین الذین أنکروا تماماً الترادف و الاشتراک اللفظي في اللغة العربیة، ویوجد اختلاف شدید في الرأي بین علماء اللغة العرب بشأن الترادف. فمند أواخر القرن 2 و أوائل القرن 3هـ عندما بدأـ جهود أوائل علماء اللغة و الرواة في مجال جمع کلمات القرآن الکریم والأحادیث النبویة، وانبروا لبحث معانیها و دراستها، قرر أمثال الأصمعي والیزیدي و الرماني جمع الکلمات ذات المعنی الواحد في کتب مستقلة باسم ما اختلفت ألفاظه و اتفقت معانیه (للأصمعي، طبع بدمشق، 1384هـ/1964م)،والألفاظ المترادفة (للرماني، طبع بالقاهرة، 1321هـ). وقد بالغ بعض هؤلاء في جمع مثل هذه الکلمات، وجمعوا کلمات کثیرة لم تکن تعد مترادفة في حقیقتها بوصفها مترادفة. وکانوا یعتبرون معرفة عدة أسماء لشيء واحد مدعاة للفخر و التباهي. وفي قولٍ فإن ابن خالویه کان قد جمع 500اسم للأسد و 200 اسم للحیة (ظ: ابن فارس، 21؛ الصالح، 292-296). وفي مقابل هذا الفریق من العلماء، هبّ فریق آخر أنکر تماماً وجود المترادفات في العربیة، وکان أبوعلي واحداً من هؤلاء. وطبقاً لأقوال ابن الأنباري (ص 215)، فإن ابن خالویه قال لأبي علي في مجلس سیف الدولة: إنني أحفظ للسیف 50 اسماً، فقال أبوعلي: أنا لا أعرف له سوی اسم واحد هو السیف وإن کلمات «مهند» و «صارم» و غیرها التي تعتبرها أنت أسماء، إنما هي صفات للسیف، ویبدو أنک لاتفرق بین الاسم و الصفة (أیضاً ظ: السیوطي، ن.م، 1/405).

وفیما یتعلق بالاشتراک اللفظي أیضاً یوجد هذا الاختلاف في الرأي. ورغم أن أبا علي لم ینکر تماماً الاشتراک اللفظي، لکنه یعتقد أن «اتفاق اللفظین و اختلاف المعنیین ینبغي دن لایکون قصداً في الوضع ولا أصلاً ولکنه من لغات تدخلت، أو أن تکون لفظة تستعمل لمعنی ثم تستعار لشيء فتکثر و تصیر بمنزلة الأصل» (ظ: ابن سیده، المخصص، 13/259؛ الصالح، 301-304).

کماکان أبوعلي علی معرفي بعلم الکلام، ویتضح من السؤال الذي وجهه لأستاذه أبي عبدالله البصري (ن.ع) المتکلم المعتزلي الکبیر، بأنه یعتبر الخواطر ملهمة من الله (ظ: ابن جني، الخصائص، 1/207؛ أیضاً ظ: القاضي عبدالجبار، 12/386 و مابعدها، بحث الخواطر).

اعتبره ابن المرتضی (ص 131) معتزلیاً، وأکدت الکثیر من المصادر المتقدمة الأخری اتجاهاته الاعتزالیة (ظ: الخطیب، 7/276؛ ابن الأثیر، 9/51؛ الذهبي، سیر، 16/380). وفضلاً عن ذلک فإن تتلمذه علی أبي عبدالله البصري المعتزلي (ظ: ابن جني، ن.ص)، وکذلک تألیفه التتبع لکلام أبي علي الجبائي (الصفدي، 11/379)، في شرح و تفسیر آراء معتزلي بارز، تدل جمیعها علی کونه معتزلیاً. ومع هذا فقد أوردته بعض المصادر الشیعیة المتأخرة في عداد الشیعة (آقابزرگ، 2/492؛ الخوانساري،3/76؛ الأمین، 5/8)، رغم أن أیاً من الشیخ الطوسي وابن شهرآشوب لم یورده في فهرسته. و علی هذا یبدو أن میوله الاعتزالیة و ملازمته لسیف الدولة الحمداني و عضد الدولة الدیلمي و الصاحب بن عبادالذین کانوا جمیعاً من الشیعة، هو الذي أدی إلی تصور کهذا.

الصفحة 1 من2

تسجیل الدخول في موقع الویب

احفظني في ذاکرتك

مستخدم جدید؟ تسجیل في الموقع

هل نسيت کلمة السر؟ إعادة کلمة السر

تم إرسال رمز التحقق إلى رقم هاتفك المحمول

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.:

التسجیل

هل تم تسجیلک سابقاً؟ الدخول

enterverifycode

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.: