الصفحة الرئیسیة / المقالات / دائرة المعارف الإسلامیة الکبری / الجغرافیا / ابن الفقیه، أبوبکر /

فهرس الموضوعات

ابن الفقیه، أبوبکر

ابن الفقیه، أبوبکر

تاریخ آخر التحدیث : 1442/11/29 ۲۱:۴۵:۳۴ تاریخ تألیف المقالة

اِبْنُ الفَقیه، أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق، المعروف بابن الفقیه الهمداني، جغرافي في القرن 3هـ . ذكر یاقوت اسمه ولقبه: أبا عبد الله أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهیم الهمداني (الأدباء، 4/199). وأورد فؤاد سزكین كنیته أبا عبد الله في مقدمته علی الطبعة المصورة لأخبار لبلدان عن مخطوطة مكتبة آستان قدس [الروضة الرضویة في مشهد]، غیر أن اسمه ونسبه في هذه المخطوطة أحمد بن محمد بن إسحاق الهمداني المعروف بابن الفقیه، ولم یشر إلی كنیته (ص 347). ویقتصر ابن الندیم علی ذكر أحمد بن محمد (ص 171). ولم یرد دلیل واضح علی أنه همداني، ولكن یمكن القول إنه علی أغلب الظن من أبناء همدان (كراتشكوفسكي، IV/158) من الوصف المسهب الذي أورده لهذه المدینة، ولاسیما فیما ذكر عن حب الوطن (مختصر…، 217-258). لیس لدینا معلومات عن سنة ولادته ووفاته ولاترجمته.

وقد ذكر ابن الندیم (ن.ص)، أنه من أهل الأدب وله بالإضافة إلی كتاب البلدان كتاب آخر باسم ذكر الشعراء المحدثین والبلغاء منهم والمفحمین. ویقول ابن الندیم عن البلدان إنه في «نحو 1,000 ورقة، أخذه من كتب الناس وسَلخ كتاب الجیهاني» (ن.ص). وقد أدی رأي ابن الندیم هذا إلی بروز الشك والارتیاب لدی الباحثین، وأكبر مشكلة في ذلك تتعلق بتاریخ تألیف البلدان، حیث یعتقد أغلبهم أنه كان بعد وفاة الخلیفة العباسي المعتضد في 289هـ/ 902م (GAL, I/260)، أو 290هـ (دي خویه، 10). ویری محمد القزویني أن دي خویه أخطأ خطأَ كبیراً في تاریخ تألیف كتاب ابن الفقیه وذلك اعتماداً علی صحة ما أورده ابن الندیم، وأن تاریخ تألیف كتاب الجیهاني كان بعد 290هـ بنحو 20 إلی 30 سنة (6/122)، إلا أن كراتشكوفسكي یدافع عن رأي دي خویه ویری أن یؤخذ قول ابن الندیم بعین الشك والارتیاب، ویشیر إلی أن الطابع النقلي لكتاب ابن الفقیه لایمكن إنكاره، ولكن لم یكن لیستطیع الأخذ من كتاب الجیهاني لأنه ألف كتابه قبله، وقد ثبت التشابه والتقارب بین هذین المؤلفین في المحتوی والمضمون وهذا ما دعا إلی شك ابن الندیم ذاك (IV/222؛ دي خویه، 11). ولیس من شك في أن ابن الفقیه ألف كتابه في نحو 290هـ. ذلك أنه تحدث عن الحوادث التي وقعت في عهد المعتضد 0279-289هـ) ودعاه بـ «خلیفتنا» (مختصر، 53). ورغم أنه ذكر المكتفي (خلافته: 289-295هـ/902-908م) مرتین، ولكن لم یذكر أنه خلیفة (ن.م، 243-270) ومن هنا یتبین أن المكتفي إما أنه لم یكن خلیفة أثناء تألیف الكتاب أو أن ابن الفقیه لم یكن یعلم بذلك.

وآخر حادثة تاریخیة تشاهد في كتاب ابن الفقیه تتعلق بقتل عمرو بن لیث الصفاري (ن.م، 53)، والذي أصدر المعتضد الحكم علیه في آخر لحظات حیاته، وقتل كما ذكر الطبري بعد وفاة الخلیفة (10/88). ومن هنا نتبین أن ابن الفقیه ألف كتابه كما یبدو في نحو 289-290هـ وقبل الجیهاني.

والموضوعات التي وردت في البلدان هي قريبة ومرتبطة إلی حدما بما جاء به الجاحظ. ویری بعض المؤلفین كالمقدسي أن ابن الفقیه، كان مقلداً للجاحظ، فیقول: «وإذا نظرت في كتاب ابن الفقیه فكأنما أنت ناظر في كتاب الجاحظ والزیج الأعظم» (ص 241). ویری عبد الوهاب الذي اكتشف كتاباً للجاحظ باسم التبصر بالتجارة، ونشره، أن عدداً من الجغرافیین وأصحاب الرحلات الكبار قد أفادوا من الجاحظ، وأن الأخیر هو الذي فتح باب التألیف في تقویم البلدان وخصائصها، وأن أمثال ابن الفقیه الهمداني وابن رُسته الأصفهاني وأبي زید البلخي والإصطخري وابن حوقل والمقدسي، هم عیال علیه – وإن توسعوا بعد – ومقتفوا أثره ومقلدوه (ص 7-8). ویری كراتشكوفسكي أن الحق إلی جانب المقدسي، في ارتباط أسلوب ابن الفقیه بأسلوب الجاحظ وغلبة هذا الأسلوب لدیه شيء واضح للجمیع (IV/158)، ویشیر إلی أن ابن الفقیه مدین للجاحظ إلی حد كبیر في تدوین كتابه الجغرافي (IV/125). وبالإشارة إلی انتقاد المقدسي، لابد من القول إن القرن 4هـ كان فترة ازدهار الأدب الجغرافي الإسلامي، فنحن نلتقي فیه علی الأغلب محققین وعلماء ینتقدون تصانیف السلف وأسالیبهم، ثم استبدلت هذه الطریقة في القرون التالیة بجمع آثار المتقدمین والإفادة منها. فالمقدسي في نقده للسلف یبالغ أحیاناً فیقول مثلاً: لایمكن التمییز بین ما كتبه ابن الفقیه والجاحظ (ظ: كراتشكوفسكي، IV/23).

أما مصنف ابن الفقیه كتاب ذكر الشعراء المحدثین والبلغاء منهم والمفحمین الذي ذكره ابن الندیم فلم یعثر علیه بعد، ولكن توجد مقاطع من البلدان، قد صنف هذا الكتاب في 5 مجلدات و2,000 صفحة (م.ن، IV/156). وذكره المقدسي بحذر قائلاً: «ورأیت كتاباً صنفه ابن الفقیه الهمداني في 5 مجلدات» (ص 5). وهو مفقود، ولكن یبدو أن شخصاً باسم أبي الحسن علي بن جعفر الشَّزري (الشَّیزري) لخصه في حدود 413هـ/1022م (دي خویه، 8). یوجد من هذا التلخیص ثلاث نسخ (EI2)، سقط منها الكثیر من المواضیع وورد فیها بعض المعلومات التي رواها یاقوت عن ابن الفقیه بشكل موجز. وحقق دي خویه إحداها، ونشرت باسم مختصر كتاب البلدان في 1885م. وتوجد النسخة الثانیة في المتحف البریطاني (إلیس، I/175)، ولم یعثر علی النسخة الثالثة حتی سنة 1923م، ففي ربیع هذه السنة عثر زكي ولیدي طوغان علیها في الروضة الرضویة ضمن رسالة أبي دلف وكتاب رحلات ابن فضلان، وقد سقطت بعض صفحاتها الأولی والأخیرة منها وجاء في آخر الكتاب: «تم… كتاب أخبار البلدان» (ظ: «أخبار البلدان»، 347).

ویتبین مما ذكره زكي ولیدي طوغان من مطالعته، أن ما نشره دي خویه باسم مختصر كتاب البلدان هو خلاصة هذا الكتاب (طوغان، 1/47). وذلك الكتاب مسجل في فهرست كتب الروضة الرضویة برقم 109 وباسم أخبار البلدان لابن خاتون، ولكن یمكن الإدراك بسهولة كما ذكر طوغان، أنه أخبار البلدان لابن الفقیه، وأن واقفه هو ابن خاتون (1/46). وقد أورد كوفالفسكي مزیداً من المعلومات عن واقف هذه المخطوطة، وأضاف أنه یتبین مما ورد في الفهرست الفارسي لمكتبة الروضة الرضویة، أن هذه المخطوطة جزء من مجموعة كتب أهداها شخص باسم ابن خاتون للروضة المقدسة في 1656-1657م (1067هـ). ویبدو أن ابن خاتون هذا من أعقاب امرأة تدعی خاتون كانت تملك مكتبة نفیسة في مرو (ص 40)، وقد ذكر یاقوت المكتبة هذه في تلك المدینة (البلدان، 4/509)، ویبدو أنه أفاد منها، وربما رأی هذه المخطوطة أیضاً (كوفالفسكي، ن.ص). ذلك أن في معجم البلدان معلومات نقلها یاقوت عن ابن الفقیه لیست في مختصر كتاب البلدان، منها ما یتعلق بنوشجان العلیا التي هي كما قیل «أربع مدن كبار وأربع مدن صغار» (4/823). ومن هنا یمكن الثقة بصحة ما ذكره المقدسي (ص 5)، وابن الندیم (ص 171) عن معلومات الكتاب الواسعة. ویمكن بالمقارنة بین نسخة دي خویه المطبوعة ومخطوطة الروضة الرضویة، أن ندرك بسهولة أن هاتین النسختین یكمل كل منهما الأخری. ویقول طوغان إن ثلثي أبواب نسخة دي خویه المطبوعة لیست في نسخة مشهد، كما أن الأبواب 3 إلی 10 و15 و24 إلی 28 التي في مخطوطة الروضة الرضویة لیست في طبعة دي خویه (1/47، 48)، وعدد صفحات نسخة الروضة 347، ونسخة دي خویه المطبوعة 330 صفحة، وباب خراسان في الروضة (ص 307-347) أكثر تفصیلاً من نسخة دي خویه (ص 314-330). ویدل وجود عبارة «تم الاختصار» في الصفحة 330 من طبعة دي خویه، أنها الاختصار الذي قام به أبو الحسن الشزري (الشیزري). وكما ذكرنا ربما كانت نسخة الروضة الرضویة، إحدی مصادر یاقوت التي أفاد منها، إذ یمكن أن نورد كمثال أن ما ذكره یاقوت عن حاكم الترك (البلدان، 1/839) یتفق مع ما في نسخة الروضة الرضویة (ص 334)، ففیه یتحدث عن حاكم الترك الذي اعتنق الإسلام.

ولایمكن اعتبار مختصر كتاب البلدان مصنفاً جغرافیاً بالمعنی الدقیق للكلمة بل مجموعة أدبیة تزخر بالشعر والفكاهة دوّنها بالاستفادة من تصانیف الآخرین، وفي الكتاب نخبة مختارة من أجل القارئ العام بالإضافة إلی المعلومات الجغرافیة والأحادیث والقصص والموضوعات العجیبة والغریبة (كراتشكوفسكي، IV/158). وقد ذكر ابن الفقیه أثناء البحث حول الأسفار والرحلات في العصر الإسلامي حوادث لها طابع قصصي. منها قصة تنسب إلی عبادة بن الصامت من قبیلة الخزرج بالمدینة وأحد أنصار الرسول‌(ص) (مختصر، 140-143). وأورد الدینوري الذي عاش قبل ابن الفقیه هذه القصة أیضاً (ص 18-19)، ولكن ابن الفقیه ذكرها أكثر تفصیلاً والفرق الوحید بینهما یتعلق باسم هذا الشخص. فذكره الدینوري عبد الله بدل عبادة (ص 18؛ ابن الفقیه، مختصر، 140). والقصة في طبقات ابن سعد كما أوردها ابن الفقیه (1/220، 2/356).

ومن المسائل التي أشار إلیها ابن الفقیه، مسألة الاستفادة من الخرائط بین العرب، فقد اهتموا خاصة بعد الفتوحات بالحصول علی معلومات عن الأقوام والبلاد، وكانت هذه المعلومات ممزوجة عامة بالأسطورة وكان العرب في العصور القدیمة وأوائل العصر الإسلامي یسمونها فضائل (كراتشكوفسكي، IV/56-59, 594). ولم یكن العرب قد عرفوا الخرائط حتی ذلك الزمن، یقول المسعودي: «ذكر ذوو الدرایة أن عمر بن الخطاب حین فتح الله البلاد علی المسلمین من العراق والشام ومصر وغیر ذلك من الأرض كتب إلی حكیم من حكماء العصر. إنّا أناس عرب، وقد فتح الله علینا البلاد، ونرید أن نتبوأ الأرض ونسكن البلاد والأمصار، فصف لي المدن وأهویتها ومساكنها» (2/34). وأول علمنا بوجود خریطة عند العرب یعود إلی ابتكار الحجاج بن یوسف الثقفي، وقد أطلق علیها في البدایة اسم «صورة» (كراتشكوفسكي، IV/60). ویتفق ابن الفقیه والطبري في ذلك، ولكن كلاً منهما یورد قصة مختلفة، فیذكر الطبري نقلاً عن إدریس بن حنظلة أن الحجاج كتب إلی قتیبة بن مسلم في 89هـ/708م أن یبعث بصورة بخاری (6/440). أما ابن الفقیه یشیر في قصة مسهبة أخری إلی تعرف العرب إلی الخرائط الجغرافیة فیقول: إن الحجاج بن یوسف بعث إلی وفد الدیلم أن یسلموا، أو یقرّوا بالجزیة، فأبوا، فأمر أن تصور له الدیلم سهلها وجبلها وعقابها وغیاضها فصورت له (مختصر، 2/83).

ویبتدئ مختصر كتاب البلدان بشرح لخلق السموات والأرض واختلاف اللیل والنهار (ص 3)، غیر أن مخطوطة الروضة الرضویة التي ربما تضم الجزء الثاني من المسودة الكبری لكتاب ابن الفقیه (كراتشكوفسكي، IV/159)، فإنها تبدأ بالكوفة (ص 2). وما أورده ابن الفقیه یؤید التصور الذي كان سائداً حتی قبل الإسلام بین الإیرانیین والیهود وغیرهم عن الأرض علی أنها سبع (مختصر، 3). وفي كتاب ابن الفقیه روایات عن السلف تصور ذوقه، ومصادره متنوعة بشكل كبیر، فجمیع المؤلفین قبله على وجه التقریب وجدوا مكاناً في مصنفه ولاسیما الجاحظ وابن خرداذبه وغیرهما (دي خویه، 11). كما وردت في الكتاب روایات عن التاجر والبحّار الإیراني سلیمان السیرافي (مختصر، 11)، لفتت نظر غابریل فران («تقاریر…»، 5-3). وتحدث المقدسي عن أن الكتاب ینقصه الترتیب وقال إنه لم یذكر إلا المدائن العظمی ولم یرتب الكور والأجناد، وأدخل في كتابه ما لایلیق به من العلوم، مرة یزهد في الدنیا وتارة یرغب فیها، ودفعة یُبكي وحیناً یُضحك ویُلهي (ص 4). ویری كراتشكوفسكي أیضاً أن المقدسي محق في ذلك (IV/158)، ویكفي لإثبات رأیه إیراد عناوین الفصول ورؤوس الموضوعات التي یعالجها في القسم الدول من مختصر كتاب البلدان في خلق الأرض والبحار المحیطة بها، ومافیها من عجائب، والفرق بین الصین والهند، ومكة والكعبة والطائف والمدینة ومسجدها، والفرق بین تهامة والحجاز، ونجد والیمامة والبحرین والیمن، وانقلاب الهزل إلی جد والجد إلی هزل، وفي مدح التجوال، ومصر والنیل وبعض البلاد كالنوبة والحبشة والبُجَة والمغرب وبیت المقدس ودمشق والجزیرة وبیزنطة، ومدح الأثار المشهورة وذمها، والكوفة وقصر الخورنق (مع مجموعة من الملاحظات التاریخیة والاستشهادات) والبصرة وفارس وغیرها. فعند الكلام عن عین ماء قرب همدان وقع في ثلاثة استطرادات أحدها عن مدح الماء العذب (مختصر، 2220-227)، والثاني محاورة بین عبد القاهر وحسین ابن أبي سَرح في تمجید همدان والعراق وذمهما (ن.م، 227-237)، والثالث في حب الأوطان (ن.م، 237-240).

وبغض النظر عن تلك النواقص، یشیر ابن الفقیه إلی مسائل، وإن كانت تبدو أسطوریة ولكنها ذات أهمیة من الناحیة التاریخیة، وأقدم وصف مثلاً لسمرقند في العهد الإسلامي هو لابن الفقیه (ن.م، 325-326؛ بارتولد، I/135) فیقول: إن سمرقند كبلخ وبخاری «استدارة حائطها 12 فرسخاً ولها 12 باباً، من الباب إلی الباب فرسخ، وعلی أعلی الحائط آزاج وأبراج للحرب، والأبواب الـ 12 من خشب مصراعین، وفي أقصاها بابان آخران، وبین البابین منزل لبواب» (مختصر، 325-326). ویبدو من ذلك أن مساحة مدینة سمرقند آنذاك 5,000 جریب ومع ضواحیها 6,000 جریب.

ویتحدث ابن الفقیه عن وجود مسجد جامع فیها (ن.م، 326)، ویقول نقلاً عن الأصمعي (ن.ع) «مكتوب علی باب سمرقند بالحمیریة؛ بین هذه المدینة وبین صنعاء 1,000 فرسخ، وبین بغداد وإفریقیة 1,000 فرسخ، وبین سجستان والبحر 200 فرسخ» (ن.ص). ویشیر یاقوت إلی هذه النقطة أیضاً (البلدان، 3/136). وما أورده ابن الفقیه حول ذلك أكثر تفصیلاً من الإصطخري (الإصطخري، 248). وكلهم یعتقدون بأن الكتابة التي علی باب سمرقند هي بالحمیریة. ویری بعض الباحثین أن الخط المذكور یشبه حروف لوح «أورخون» التي تشبه الخط الحمیري بعض الشبه، وكان العرب عادة یسمون الحروف الأجنبیة والغریبة بالحمیریة أو المسندة (بارتولد، I/138، الهامش). ویتحدث ابن الفقیه عن وجود معبد النوبهار البوذي في بلخ، والذي له شهرة كبیرة عند المسلمین، وقد وصفه بإسهاب، ویقول ابن الفقیه إن حكام الصین وكابل كانوا یزورونه كما یكثر فیه المتعبد ون. ویقول إن الأرض المحیطة بالنوبهار كانت مع 700 نهر والقریة القریبة منها فيحدود 8 فراسخ في 4 فراسخ یحكمها البرامكة (مختصر، 322-324). وذكر ابن الفقیه أیضاً أن خراب بلخ والنوبهار كان في عهد خلافة عثمان (ن.م، 323)، غیر أن البلاذري یرجعه إلی عهد معاویة (ص 409). ویری بارتولد أن ابن الفقیه كان في حدیثه عن هذا المعبد أسطوریاً إلی حدما (VII/43)، ویقول إن بوابته تقع في غرب مدینة أفراسیاب التاریخیة (I/137). ومن المسائل التي لاتزال غامضة تماماً اعتناق برمك والد خالد للإسلام، إذ لم تبین كثیر من المصادر إن كان قد أسلم أم لا؟ غیر أن ابن الفقیه یصرح بدخول برمك المدینة في عهد عثمان وإسلامه، ویقول إنه سمی نفسه عبد الله بعد إسلامه (مختصر 323)، ویجدر الاهتمام بما أورده ابن الفقیه مثلاً عن سلیمان السیرافي، ذلك أنه لیس لدینا تقریباً عن هذا التاجر الإیراني الشهیر الذي قام برحلات بحریة سوی بعض القصص الأسطوریة.

ویشك بعض الباحثین في صحة قصصه وسفره إلی الصین، إلا أن غابریل فران («دراسات…»، I/51-60، «تقاریر»، 3-5)، لاحظ أن ابن الفقیه أورد قصة مع ذكر اسمه (ظ: مختصر، 11-13). ویری بعضهم أنه سافر إلی الصین في 237هـ/851م (كراتشكوفسكي، IV/141). وإذا اعتبرنا تاریخ تألیف كتاب ابن الفقیه دقیقاً، أمكن القول إن ما ورد فیه عن رحلة سلیمان السیرافي كانت بعد نحو نصف قرن من تدوین مذكرات هذا التاجر البحار. والنموذج الآخر الذي رواه ابن الفقیه عمن قبله من المؤلفین یتعلق بأبي العباس جعفر بن أحمد المروزي (تـ 274هـ/887م) (كراتشكوفسكي، IV/127)، والذي لم یعثر بعد علی كتابه. ویذكر ابن الندیم أنه أول مؤلف لكتب الجغرافیة من نوع المسالك والممالك (ص 167)، ولیس هناك أي اطلاع علی مصنفات المروزي، وقد نقل ابن الفقیه عنه أثناء الحدیث عن حجر المطر الأسطوري (مختصر، 329-330)، ولكن یشاهد اختلاف طفیف في ذكر اسمه. كما نقل عنه ابن الفقیه حین حدیثه عن قبائل الترك (كراتشكوفسكي، IV/127). ومن المعلومات المهمة التي ذكرها ابن الفقیه في تصانیفه تتعلق بانتشار رمز الهلال بین المسلمین، وكان هذا الرمز في عصر الساسانیین فاتخذه المسلمون دلیلاً علی الإسلام مقابل الصلیب عند المسیحیین (بارتولد، VI/489). وتحدث ابن الفقیه عن هلالین أمر عمر بن الخطاب بإرسالهما فعلقا في الكعبة (مختصر، 20). والمسألة المهمة الأخری ذكر ابن الفقیه لمسجد یوجد بجنب بیعة في مدینة حمص (ن.م، 112) وهذا یذكرنا بقول بارتولد (VI/652)، بأن المسلمین والمسیحیین كانوا یتعبدون في القرن 10م تحت سقف واحد.

ویذكر بارتولد أن التجار الیهود كانوا یقدمون في عهد خلافة هارون الرشید وحكومة شارل الكبیر من أوروبا إلی البلاد الإسلامیة للتجارة، وكانوا في هذه البلاد لایعرفون باسم عربي بل باسم فارسي، وقد ورد هذا الاسم في كتب ابن خرداذبه وابن الفقیه بشكل الراذانیة أو الراهدانیة (VI/346؛ ابن الفقیه، مختصر، 270)، وهي في الأصل من لفظة «راه دان» أو «راه دانان» الفارسیتین.

وقد سعی ابن الفقیه كابن خرداذبه والیعقوبي وابن رسته إلی إیراد موضوعات مرتبة نسبیاً عن أحوال الأقوام والنظام الإداري في مختلف البلاد الإسلامیة، ورغم أن ما أورده ابن الفقیه لایمكن أن یصل من الناحیة الجغرافیة إلی مستوی بعض كتب الجغرافیین في زمانه، لكنها أفضل منها من الناحیتين التاریخیة والثقافیة في بعض الأحوال (كراتشكوفسكي، IV/159)، فقد عرض صورة واضحة للذوق الأدبي والمیول لدی الأوساط المثقفة التي تتكلم بالعربیة في أواخر القرن 3هـ/9م. ولم یشتهر ابن الفقیه في العلم المعاصر لحدیثه البین عن آسیا الوسطی والقفقاز فحسب، بل إن ما أورده عن التجار ومسیر التجار الیهود والصقالبة یدعو للاهتمام (ن.ص).

 

المصادر

ابن سعد، محمد، الطبقات الكبری، تقـ: إحسان عباس، بیروت، دار صادر؛ ابن الفقیه، أحمد، «أخبار البلدان»، مجموع في الجغرافیا، تقـ: فؤاد سزكین، فرانكفورت، 1407هـ/1987؛م.ن، مختصر كتاب البلدان، تقـ: دي خویه، لیدن، 1885م؛ ابن الندیم، الفهرست؛ الإصطخري، إبراهیم، مسالك وممالك (الترجمة الفارسیة)، تقـ: إیرج أفشار، طهران، 1347ش؛ البلاذري، أحمد، فتوح البلدان، تقـ: دي خویه، لیدن، 1863م؛ الدینوري، أحمد، الأخبار الطوال، تقـ: عبد المنعم عامر، بغداد، 1379هـ/1959م؛ سزكین، فؤاد، مقدمة مجموع في الجغرافیا (ظ: همـ، ابن الفقیه)؛ الطبري، تاریخ؛ طوغان، زكي ولیدي، «نسخۀ خطي كتاب ابن فقیه در مشهد»، إیرانشهر، 1305ش؛ عبد الوهاب، حسن حسني، مقدمة كتاب التبصّر بالتجارة للجاحظ، دمشق، القاهرة، 1932م؛ القزویني، محمد، یادداشتها، تقـ: إیرج أفشار، طهران، 1341ش؛ المسعودي، علي، مروج الذهب، بیروت، تقـ: یوسف أسعد داغر، 1385هـ/1965م؛ المقدسي، محمد، أحسن التقاسیم، تقـ: دي خویه، لیدن، 1906م؛ یاقوت، الأدباء؛ م.ن، البلدان؛ وأیضاً:

Bartold, V.V., Sochineniya, Moscow, 1963-1971; De Goeje, J., introd .Kitāb al-Boldân (vide; PB, Ibn-ul-Faqīh); EI2; Ellis, A. G., Catalogue of Arabic Books in the British Museum, 1967; Ferrand, Gabriel, Etudes sur la géographie arabo-islamique, Frankfurt, 1986; id, Relations de voyages et textes géographiques arabes, persans et turks relatifsá l’Extrême- Orient du VIIIe au XVIIIe siècles, Frankfurt, 1986; Gal; Kovalevskii, A. P., Kniga Akhmeda Ibn-Fadlana o ego puteshestvii na Volgu v 921-922, Kharkov, 1956; Krachkovskii, A. Yu., «Arabskaya geograficheskaya literatura», Izbrannie sochineniya, Moscow/ Leningrad, 1957, vol. IV.

عنایت ‌الله ‌رضا/ن.

تسجیل الدخول في موقع الویب

احفظني في ذاکرتك

مستخدم جدید؟ تسجیل في الموقع

هل نسيت کلمة السر؟ إعادة کلمة السر

تم إرسال رمز التحقق إلى رقم هاتفك المحمول

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.:

التسجیل

هل تم تسجیلک سابقاً؟ الدخول

enterverifycode

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.: