صفحه اصلی / مقالات / ایران /

فهرس الموضوعات

وكانت المنسوجات اليدوية والسجاد والبسط في إيران في العصر الأخميني تتمتع بشهرة عالمية. وما یشهد علی کل ذلک العثور علی أقدم سجادة يدوية ذات عُقَد وهُدْب خلال التنقيبات الأثرية في قبور بازيريك المجمّدة في منطقة آلتائي. یذکّرنا التصميم الوسطي لهذه السجادة، أي النجوم الرباعية الأضلاع بالصناعات البرونزية في لرستان. کما نلمس في أطرافها نقوش الفرسان الميديين بخيول قد تزینت بزخارف تماثل تماماً زخارف الحجرية في تخت جمشيد بالإضافة إلی الأیائل المرقطة بقرونها العريضة التي كانت تقطن في منطقة تمتد من خوزستان حتى اقصى النقاط الشمالية في شرق الإمبراطورية الأخمينية. والسجادة تبلغ مساحتها 200× 183 سنتيمتراً وتضم ما یعادل 000‚250‚1 عقدة متقارنة ويتم الاحتفاظ بها في متحف أرميتاج في سان بطرسبورغ. كما تم العثور خلال تلك التنقيبات على قطع من البسط ذات الحياكة الصوفية والتي تظهر زوجات الملوك الأخمينيين عند إقامة الطقوس الدینیة أمام موقد النار. ویمثل أمامنا مثل هذا النقش على النقوش الحجرية لتخت جمشيد، حيث تُظهر الشاهنشاه (ملک الملوک) أمام المشعل (ظ: هاوسغو، 118؛ رودنكو، 293-309)


العصر الأشكاني

  بعد انهیار الحکم الأخمیني وتغلب الإسكندر المقدوني علیه تعرض الفن القومي الإيراني للتفکک في بدایة الأمر، قبل أن یتحول إلی نمط من الفن نستطیع أن نطلق علیه عنوان الفن الإغریقي‌ ـ الإیراني ویدل الفن الجدید علی تراجع كبير مقارنة بالعصر الأخمیني وتستمر هذه الحالة حتی ظهور مهرداد الأشكاني الثاني (123 ق.م) الذي جعل من الإمبراطورية الأشكانية قوة عالمية عظمی. وفي هذه المرحلة التاریخیة تظهر ثلاثة أنماط فنیة في إيـران: 1. نمط یتبـع الفن الإغریقـي 2. النمط اليونانـي‌ ـ الإيرانـي، 3. الفن الإيراني البحت (غيرشمن، هنرإيران ... پارتي ... ، 18)؛ إلا أن النزوع نحو التجدید الوطني في کافة المناهي الثقافیة والسیاسیة بما فیها الفن، حیث لم تخفت ناره في یوم من الأیام في إیران، إزداد وهجه من جدید في ظل حكم الملک مهرداد، ماجعل الطریق سالکة أمام العودة إلى الفن «الإيراني الجديد» وتحقیقه (ظ:کیل، 51). ثم علي الرغم من رجعة الفن الإیراني في هذا النمط الجديد إلى أنماط أكثر بدویة، ولكنه اقترن ببعض الجهود والتطور، عائدةً إلیه الحياة من جديد دون أن تعکّر صفوه العناصر الأجنبية. والدلیل علی ذلک العودة إلى رسم الوجوه كاملة، حیث ألقی بظلاله علی الفن الأشکاني إلی حد بعید وهو النموذج الأوضح لهذه الحركة الفنية التي تمتد جذورها في الفن الإيراني في عصر ماقبل التاريخ ولايمكن بأي شكل من الأشکال ربطها بالفن اليوناني. ونستطیع من هذا المنطلق معالجة جميع فروع الفن الأشكاني. ففي بناء المدن، تحول بناؤها عبر التصاميم المدوَّرة إلى التصميم الرسمي لبناء المدن في العهد الأشکاني. وقد لعب الدواعي الأمنیة والدفاعیة دوراً بارزاً في تبني هذا التصميم. وقد اتبع الغربیون في القرون الوسطی إلی حد بعید نفس المنهج والتصمیم في إنشاء مدنهم وبناءها (غيرشمن، ن.م، 7، 34، 35، 116). 
وتتجلی أولی مظاهر الفن المعماري الفرثي في مدینة نسا أول عاصمة للفرثيين (أو «أشك آباد» وهي تقع على مسافة بضعة كيلومترات من مدينة «عشق آباد» الجديدة العاصمة الحالية لجمهورية تركمنستان)، حيث أجری علماء الآثار الروس تنقيباتها الأثرية. فرغم أن قصر نسا الملكي تأثر في زخارفه بالفن اليوناني إلی حد ما (مثلاً في تماثيل أجداد الملوك الفرثيين والتي نحتت من الطین اللاحم مکتسبة بذلک منزلة الآلهة على الطراز الإغریقي)، ولكن البناء نفسه يشتمل على أربعة أیوانات تحیط بالصحن وهو التصميم الذي انطلق من نسا الأشكانية ومايزال يعرف باعتباره التصميم الرسمي والتقليدي لإيران، وانتشر حتى إلى خارج إيران وبلاد مابين النهرين (غيرشمن، ن.م، 29). 
تتوزع العمارة الأشکانیة علی مساحة مترامیة الأطراف، تبدأ من آي خانم وسرخ کتل ونسا شرقاً، لتدخل بعدها إیران متضمنة ماتبقی من مدینة صد دروازه (دامغان) وكوه خواجه (سیستان)، وبرده نشانده (خوزستان) غرباً ومعبد آناهيتا (كنگاور) جنوباً، لتنقل من ثم إلی قصر آشور (العراق) وبالمير (سورية). إلا أن هذه المساحة الشاسعة من جهة، واقتصار التنقيبات الأثرية على المدن الأشكانية من جهة أخرى، كل ذلك لایزودنا بمعلومات وافیة حول العهد الأشكاني الذي امتد إلى مايقرب من 500 سنة. وتشمل المواد الإنشائية في هذا العصر بشكل رئيس اللبن، والطوب والحجر والمنحوت وغیر المنحوت تتمیز هذه المرحلة التاریخیة باستعمال الملاط الجصي والعقود النصف الدائریة والإیوانات، لاسیما الإیوان الثلاثي، حیث یکون فیه عقد الأیوان الرئیسي أکبر من الأواوین الجانبیة. ومن العناصر الإيرانية المحضة الأخرى في عمارة هذه المرحلة، زخرفة الواجهة الخارجیة بتماثیل منحوته تمثل رأس إنسان حتی الرقبة لاسیما في العمائر المشیّدة بالصخر المنحوت، علی شاکلة المباني الأثریة في الحضر. (غيرشمن، ن.م، 36-37؛ ظ: كيل، 50-51)
 
وفي القرن الأول للمیلاد، نلاحظ الزخارف الجصیة لأول مرة في قصور تعود إلی العهد الأشکاني في بلاد ما بين النهرين، وقد بلغت منتهی الدقة والروعة في أبنية كوه خواجه. کما شاعت في العمارة الفرثیة مزخرفة جدیدة هي تصویر النقوش علی الجدران أو السقوف نرصد مثل هذه الزخرفة الأشکانیة علی جدران قصر كوه خواجه في بحيرة هامون في سیستان نقوش الطقوس الدينية في معبد الآلهة البالميرية في دورا وقصر آشور. کما تتبع العمارة الأشکانیة، الطریقة الأخمینیة في النحت والنقوش المحفورة علی الجبال. وفي خلال الوقوف عند النقوش الحجریة لمهرداد الثاني في بیستون ونقوش سروک وشوش، نستطیع رصد أثر المذهب الفرثي علی التماثیل النقوش الحجریة في پالمیر ونمرودداغ ودورا (كالج، 94، 119-121؛ أيضاً ظ: م.ن، 45,127,129,142 غیرشمن، ن.م، 41 ومابعدها). 
ما یستوقفنا هنا هو أن الفنين الفرثيین أي التصویر علی الجدران والنقوش الناتئة کانا سائدین في الجزء الغربي من الإمبراطورية الأشكانية مثل حران وپالمير، في الوقت الذي بدأ الفن الرومي بالرواج في منطقة البحر المتوسط ولكن الأغرب من ذلك هو أن الفنین اليوناني والروماني قد أبدیا نوعاً من الانفتاح علی النقوش الشرقية الأشكانية في القرن الأول للمیلاد، حیث نستطیع أن نرصد ملامحها حتی العهد الساساني (ظ: ن.م، 11-12؛ كالج، 34-35). 
ما إن سیطر السلوقیون علی مساحات کبیرة من الإمبراطورية الأخمينية، حتی بذلوا مساعیهم في استبدال الحضارة الیونانیة وثقافتها بالحضارة الإیرانیة غیر أنهم اصطدموا بصمود شعبي، منعهم عن ذلک، حتی في الفترة التي كانـوا يحكمون فيها أجزاء من إيران. والدلیل علی ذلک ظهور فن نسا الجديد في شرقي إيران وفن كوماجن ونمرود داغ في غربیها کما أن انتصار الفرثيين والعودة إلى الفن القومي في إيران، یعطي صورة أوضح بهذا العهد. وإنهم أسسوا فناً جدیداً واسع الظل، انطلاقاً من ماوراء النهر شرقاً ووصولاً إلی شواطئ البحر الأبیض المتوسط غرباً، کانت تتشابک جذوره مع فن الأخمیني وبذلک وضعوا الأسس الأولیة للفن الساساني (غيرشمن، ن.م، 12). 

العصر الساساني

  خلافاً لما کان یتصوره البعض في المرحلة الماضیة، فالفن الساساني لم یکن ولید الساعة في مواجهة الفن الفرثي. فحسب أحدث إکتشافات علماء الآثار، فإن الفن في العهد الساساني کان إمتداداً للفن الأشکاني وخاضعاً لتأثیراته في کافة الأوجه، وإن کانت له بعض الإبداعات التي لاینبغي تجاهلها وغضّ الطرف عنها. ومهما کان الحال فلابد من القبول باستمرار وصمود واستدامة بعض عناصر الفن الأخمیني في الفن الساساني ذلك لأنهم كانوا يعيشون أولاً في أجزاء من إيران كانت من المراكز الرئيسة للدولة الأخمينية والآثار المتبقية منها. ومن هنا، فإننا نلحظ عودة بعض العناصر الأخمینیة بعد أن کانت توشک علی الاختفاء والغیاب، منها النقوش الحجریة لتتویج أردشیر في مدینة فيروزآباد بمحافظة فارس جنوبي إیران والکتابات الحجریة بثلاث لغات وتصویر الملک وأهورامزدا في مقیاس أکبر مقارنة بسائر النقوش. هذا، فیما تتراجع ملامح العناصر الیونانیة والرومانیة إلی حد بعید في العمارة الساسانیة. وفي هذا العصر ازدهرت بشكل منقطع النظير مختلف الفروع الفنیة کبناء المدن والعمارة والفنون المتعلقة بها والصناعات المعدنية وسك العملات وصیاغة الذهب والمجوهرات (ظ: ن.م، 133-134؛ غودار، 187؛ هيرمان، 61-80). 
وفي موضوع إنشاء المدن وبناءها، فإنّ التنقیبات الأثریة المتواضعة في المدن الساسانیة، لاتعطینا صورة شفافة ومتکاملة عن بناء المدن في هذه المرحلة التاریخیة، إلا أن ما یزودنا به المؤرخون وعلماء الجغرافیا المسلمون عن ترکیبة مدینة أردشیرخرة ونظامها، یکشف دقة مذهلة في هذا المجال. فالمدينة تتميز بتصميم جديد ومنتظم وتركيبتها عبارة عن دائرة تامة، بقطر كيلومترين يصل محوراها إلى 4 بوابات. وقد أقاموا في مركز الدائرة منارة بارتفاع 30 متراً لایقاد النار فیها. وتحسباً لهجوم العدو علی المدینة، فقد شیدوا وسطها قلعة وسورَیْن متوازیین، علاوة علی حفر خندق بهذا الصدد. وکانت المدينة تنقسم داخلیاً إلى 20 مثلثاً ناقصاً. ويدل هذا الأسلوب الدقيق في بناء المدن مع المرافق العامة داخل المدينة وخارجها یدل على التطور الذي كان قد بلغه الساسانيون في بناء المدن وتشییدها. وكانت المدن الساسانية الأخرى مثل بيشابور وبه أردشير وتيسفون وجندي شاپور و...تتمتع بذات الخصائص التركيبيـة (هوف، 176- 178؛ ظ: ن.د، 7 / 495). 
 
وقد سجلّ العهد هذا تطوراً فریداً في الفن المعماري الساساني، لم یکن لیقتصر علی تشیید القصور الفخمة، بل تعداها لیشتمل علی الطراز المعماري للمرافق العامة مثل دور العبادة الزرادشتیة والجسور والطرق المرصوفة بالحجر والرباطات، بل وحتى البيوت. ويعد إيوان كسرى بالقرب من بغداد والذي هو القسم الوحيد المتبقي من تيسفون، من الأبنية التي تم تشییدها بمرسوم من شاپور الأول في النصف الثاني من القرن 3م. ویبقی هذا البناء الذي أذهل جلاله وفخامته، لیس العرب فقط، لا وبل کل زائر یتفقده الیوم، سمة بارزة تدلنا علی قدرة وقوة العمارة في العهد الساساني. وینفرد إیوان کسری بعقد ارتفاعه 37 متراً وفوهة بطول 43 متراً، ما یجعله فریداً علی مستوی العمارة في العالم القديم؛ بحیث أن الرومان الذين يتمتعون بشهرة عالمية في فن العمارة في العالم القديم، لم یتمکنوا من إنجاز مثل هذه الرائعة المعماریة. وقد تم هدم أجزاء من البناء بأمر من الخلفاء العباسيين لاستعمال مواده في تشیید قصور في مدینة بغداد التي کانت حدیثة العهد آنذاک (ظ: هيرمان، 75؛ غيرشمن، 136). 

 

الصفحة 1 من61

تسجیل الدخول في موقع الویب

احفظني في ذاکرتك

مستخدم جدید؟ تسجیل في الموقع

هل نسيت کلمة السر؟ إعادة کلمة السر

تم إرسال رمز التحقق إلى رقم هاتفك المحمول

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.:

التسجیل

هل تم تسجیلک سابقاً؟ الدخول

enterverifycode

استبدال الرمز

الوقت لإعادة ضبط التعليمات البرمجية للتنشيط.: